فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 259

لأن ترتيبه لحكمة فلا يتركها إلا فيما ورد به الشرع كصلاة صبح يوم الجمعة ب {الم (2) تَنْزِيلُ} [السجدة: الآيتان 1، 2] و {هَلْ أَتى ََ عَلَى الْإِنْسََانِ} [الإنسان: الآية 1] ونظائره، فلو فرّق السّور أو عكسها جاز، وقد ترك الأفضل. وأن يلتقط الآيات من كل سورة فيقرأها فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مرّ ببلال رضي الله عنه وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، «فقال: «يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؟» قال: أخلط الطيّب بالطيّب فقال: «اقرأ السورة على وجهها» أو قال: «على نحوها» . وقال ابن عوف: سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها؟ قال: ليتّق أحدكم أن يأثم إثما كبيرا وهو لا يشعر.

وأن يقرأه بالترتيل لقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن اقرأ البقرة وآل عمران أرتّلهما وأتدبرهما أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن كلّه هذرمة. وأن يقرأه بالتدبر والتفهّم لأنه المقصود الأعظم والمطلوب الأهمّ، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال تعالى: {كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ مُبََارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيََاتِهِ}

[ص: الآية 29] وقال: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النّساء: الآية 82] . وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكّر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كلّ آية ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية فيها اسم محمد صلّى الله عليه وسلم صلّى الله عليه سواء القارئ والمستمع، ويتأكد ذلك عند قوله: {إِنَّ اللََّهَ وَمَلََائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) [الأحزاب:

الآية 56]، وإذا مرّ بآية رحمة استبشر وسأل، أو عذاب أشفق وتعوّذ، أو تنزيه نزّه وعظّم، أو دعاء تضرّع وطلب. أخرج أبو داود والنسائي وغيرهما عن عوف بن مالك قال: «قمت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ» . وروى أبو داود والترمذي حديث: «من قرأ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} (1) ، فانتهى إلى آخرها فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين.

ومن قرأ {لََا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيََامَةِ} (1) فانتهى إلى آخرها {أَلَيْسَ ذََلِكَ بِقََادِرٍ عَلى ََ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ََ}

(40) [القيامة: الآيات 401] فليقل: بلى. ومن قرأ {وَالْمُرْسَلََاتِ} فبلغ {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} (50) [المرسلات: الآيات 501] فليقل: آمنّا بالله. قال النووي رحمه الله تعالى وفي: {فَبِأَيِّ آلََاءِ رَبِّكُمََا تُكَذِّبََانِ} (13) يقول: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذّب فلك الحمد» رواه الحاكم، وفي {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمََاءٍ مَعِينٍ} [الملك: الآية 30] يقول: «الله رب العالمين» وفي ختم «والضحى» وما بعدها التكبير، رواه البيهقي. وكان إبراهيم النخعي رحمه الله إذا قرأ {وَقََالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللََّهِ} [التوبة: الآية 30] خفض بها صوته.

وأن يكثر من البكاء عند القراءة لقوله صلّى الله عليه وسلم: «اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا قرأتم سجدة سبحان [الإسراء: 107] فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه» وإنما طريق تكلّف البكاء أن يحضر قلبه الحزن، فمن الحزن ينشأ البكاء. قال صلّى الله عليه وسلم: «إن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا» . ووجه إحضار الحزن أن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد والمواثيق والعهود، ثم يتأمل في تقصيره في امتثال أوامره وزواجره، فيحزن لا محالة، ويبكي، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر أرباب القلوب الصافية فليبك على فقد

الحزن والبكاء فإنّ ذلك من أعظم المصائب. وروي أن البكاء عند القراءة صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت