والمخارج جمع مخرج على وزن مفعل بفتح الميم وسكون الفاء وهو اسم لموضع خروج الحرف، كمدخل ومرقد اسم لموضع الدخول والرقود، وقد فسّر بعضهم المخرج بأنه عبارة عن الحيّز المولّد للحرف، وهو قريب من الأول. ثم اعلم أن النّفس الذي هو الهواء الخارج من داخل فم الإنسان إن كان مسموعا فهو صوت، وإلا فلا، والصوت إن اعتمد على مخرج محقّق أو مقدّر فهو حرف، وإلا فلا، والحرف معناه في اللغة الطّرف، وفي الاصطلاح: صوت اعتمد على مقطع أي مخرج محقّق، وهو أن يكون اعتماده على جزء معين من أجزاء الحلق واللسان والشفتين، أو مقطع مقدّر، وهو هواء الفم إذ الألف لا معتمد له في شيء من أجزاء الفم بحيث إنه ينقطع في ذلك الجزء، ولذا يقبل الزيادة والنقصان، والمراد بالحرف حرف المبنى من الحروف الهجائية لا حرف المعنى مما هو مذكور في كتب
العربية، وإنما سمّي حرفا لأنه غاية الطرف، وغاية كل شيء حرفه أي طرفه. ومادّة الحرف: الصوت وهو هواء متموّج بتصادم جسمين، ومن ثم عمّ به ولم يختص بالإنسان، بخلاف الحرف فإنه مختص بالإنسان وضعا، والحركة عرض تحلّه لإمكان اللفظ والتركيب كما ذكره الملا علي في شرحه على الجزرية. وفي حاشية شرح العقائد النسفية لشيخ الإسلام كمال الدين بن أبي شريف: أن مطلق الصوت عندنا:
كيفية تحدث بمحض خلق الله تعالى من غير تأثير لتموّج الهواء والقرع والقلع، خلافا للحكماء في زعمهم أنه كيفية تحدث في الهواء بسبب التموّج المعلول للقرع، الذي هو إمساس بعنف، أو القلع الذي هو انفصال بعنف، بشرط مقاومة المقروع للقارع والمقلوع للقالع فعلى كلا المذهبين لا يكون الصوت هواء أصلا. وفي شرح الملا علي: والتحقيق أن مذهب أهل السنة هو أن لا تأثير لغير الله، وأن الأشياء قد توجد بسبب من الأسباب لكن عند خلق الله إياه، كما أنه سبحانه يخلق الشّبع بسبب الأكل، وهو قادر على أن يشبع من غير أكل، وأن يجعل الأكل سببا لزيادة الجوع كما هو مشاهد في المستسقى والمبتلى بالجوع.
ثم اعلم أن الحروف الهجائية قسمان: أصلية وفرعية: أما الأصلية فهي تسعة وعشرون حرفا على ما هو المشهور، ولم يكمل عددها إلا في لغة العرب إذ لا همزة في لغة العجم إلا في الابتداء، ولا ضاد إلا في العربية، كذا قال فخر الدين الجاربردي في شرح الكافية، ولذلك أشار الطيبي في كتابه المفيد بقوله:
وعدّة الحروف للهجاء ... تسع وعشرون بلا امتراء
أوّلها الهمزة لكن سمّيت ... بألف مجازا إذ قد صوّرت
بها في الابتداء حتما وهي في ... سواه بالواو ويا وألف
ودون صورة فما للهمز ما ... مرّ لتخفيف إليه علما
قال في الرعاية: «الحروف التي يؤلف منها الكلام تسعة وعشرون حرفا وهي حروف أب ت ث ج الخ وشهرتها تغني عن ذكرها، وهي التي يفهم بها كتاب الله تعالى، وبها يعرف التوحيد ويفهم، وبها افتتح الله عامّة السور، وبها أقسم، وبها نزلت أسماؤه وصفاته، وبها قامت حجة الله على خلقه، وبها تعقل الأشياء وتفهم الفرائض والأحكام، وغير ذلك، وبالجملة فشرفها كثير لا يحصى» .
وأما الحروف الفرعية فهي التي تخرج من مخرجين، وتتردّد بين حرفين، وتنقسم إلى فصيح وغير فصيح، والوارد من الأول في القرآن ثمانية أحرف: الأول: الهمزة
المسهّلة وهي التي لا تكون همزة محضة من غير تليين، ولا تكون تليينا محضا من غير همزة، وهي على ثلاثة أقسام: لأنها تكون بين الهمزة والألف نحو {أَأَنْذَرْتَهُمْ}
[البقرة: الآية 6] وبين الهمزة والياء نحو (أءنّك) [الصّافات: الآية 52] ، وبين الهمزة والواو نحو (أءنزل) [ص: الآية 8] فالأولى تولدت من الهمزة الخالصة والألف، والثانية تولدت منها ومن الياء، والثالثة منها ومن الواو. والثاني: الألف الممالة وهي ألف بين الألف والياء لا هي ألف خالصة ولا ياء خالصة، وإنما هي ألف قربت من لفظ الياء لعلل أوجبت ذلك، فهي متولدة من الألف المحضة والياء المحضة. والثالث: