اعلم أن أوّل مخارج الحروف الجوف، وهو مخرج لحروف المدّ الثلاثة، وصفاتها خمسة: الجهر، والرخاوة، والانفتاح، والإصمات، والاستفال. وقد جمعها
بعضهم فقال:
وأحرف المدّ لها اشتراك ... في خمس أوصاف لها إدراك
رخاوة جهر وفتح قد أتى ... إصمات كلّ واستفال ثبتا
قال بعض شرّاح الجزرية: اعلم أن الألف الساكنة المفتوح ما قبلها انفردت بأحوال ليست في غيرها: منها أنها تقع زائدة إذا لم تنقلب عن حرف آخر، فإن انقلبت كانت أصلية، فتنقلب عن واو نحو {قََالَ} [البقرة: الآية 30، وغيرها] ، وعن ياء نحو {جََاءَ}
[النّصر: الآية 1، وغيرها] ، وعن همزة نحو {سَأَلَ} [المعارج: الآية 1] ، وتكون عوضا عن التنوين المنصوب في حال الوقف، وتكون تابعة للحرف الذي قبلها، فإن وقعت بعد حرف مستفل وجب ترقيقها اتفاقا نحو {الْعََالَمِينَ} [الفاتحة: الآية 2، وغيرها] و {الرَّحْمََنِ}
[الفاتحة: الآية 1] و {إِيََّاكَ} [الفاتحة: الآية 5] و {هََذَا} [البقرة: الآية 25] و {حم} (1) [الشّورى: الآية 1] وما أشبه ذلك. وإذا وقعت بعد حرف مستعل وجب تفخيمها اتفاقا نحو {الصََّادِقِينَ} [المائدة: الآية 119] و {الظََّالِمِينَ} [الأنعام: الآية 33] و {وَالْقََائِمِينَ} [الحج: الآية 26] و {الْخََاشِعِينَ} [البقرة: الآية 45] لأن الألف ليس فيه عمل عضو أصلا حتى يوصف بالتفخيم أو الترقيق، وإنما يخرج من الجوف من غير انضغاط صوته في موضع اه. قال المرعشي: «ولما كان في الياء والواو المدّيتين عمل عضو في الجملة كما سبق، لم يكونا تابعين لما قبلهما، بل هما مرقّقتان في كل حال، كذا يفهم من إطلاقاتهم» . ولعل الحقّ أن الواو المدّية تفخّم بعد المفخم، وذلك لأن ترقيقها بعد المفخم في نحو {وَالطُّورِ} (1) [الطّور: الآية 1] و {الصُّورِ} [الأنعام: الآية 73] و {قُوا} [التّحريم: الآية 6] لا يمكن إلا بإشرابها صوت الياء المديّة بأن يحرّك وسط اللسان إلى جهة الفك الأسفل من الحنك كما يشهد به الوجدان الصادق، مع أن الواو ليس إلى جهة الفك الأسفل من الحنك كما يشهد به الوجدان الصادق، مع أن الواو ليس فيه عمل اللسان أصلا. وقد رجوت أن يوجد التصريح بذلك أو الإشارة إليه في كتب هذا الفن، لكن أعياني الطلب، فمن وجده فليكتبه هنا. اه. وأما الياء المديّة فلا شك أنها مرققة في كل حال. [اه. بالحرف] .
(وأما الهمزة) فقد تقدّم الكلام على مخرجها ونسبتها. ولها من الصفات خمس:
الجهر، والشدة، والإصمات، والانفتاح، والاستفال. وقد جمعها بعضهم في بيت فقال:
للهمز جهر واستفال ثبتا ... فتح وشدّة وصمت يا فتى
وهي من حروف الإبدال وحروف الزوائد، وهي لا صورة لها في الخط تعرف بها، وإنما يستعار لها صورة غيرها فمرّة يستعار لها صورة الألف نحو (رأس) ، ومرة يستعار
لها صورة الواو نحو {يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: الآية 99، وغيرها] ، ومرة يستعار لها صورة الياء نحو {وَبِئْرٍ} [الحج: الآية 45] و (ذئب) ، ومرّة لا يكون لها صورة نحو (دفء) و (ملء) ، وإنما تعلم بالشكل والمشافهة. والناس يتفاضلون في النطق بها على مقدار غلظ طباعهم فمنهم من يلفظ بها لفظا تستبشعه الأسماع وتنبو عنه القلوب، وتنفر منه الطباع، ويثقل على العلماء بالقراءة، وذلك مكروه، معيب من أخذ به. ومنهم من يلفظ بها مفخمة، وهو خطأ. ومنهم من يشدّدها في تلاوته يقصد بذلك تحقيقها، وأكثر ما يستعملون ذلك بعد المدّ نحو {يََا أَيُّهَا} [البقرة: الآية 21، وغيرها] وهذا حرام. ومنهم من يأتي بها في لفظه مسهّلة، وذلك لا يجوز إلا فيما أحكمت الرواية تسهيله. والذي ينبغي للقارئ إذا أتى بالهمزة أن يأتي بها سلسة في النطق، سهلة في الذوق، من غير لكن ولا انتبار لها، ولا خروج بها عن حدّها، ساكنة كانت أو متحركة، يألف ذلك طبع كل أحد، ويستحسنه أهل العلم بالقراءة. فإذا ابتدأ بها القارئ فليحتفظ من تغليظ النطق بها نحو قوله: