وقال فرعون لوزيره هامان: يا هامان، ابْن لي بناءً عاليًا؛ رجاء أن أبلغ طرق السماوات الموصلة إليها، فأنظر إلى معبود موسى الذي يزعم أنه المعبود بحق، وإني لأظنُّ أن موسى كاذب فيما يدَّعيه. وقال الرجل الذي آمن من آل فرعون ناصحًا قومه ومرشدًا إياهم إلى طريق الحق: يا قوم، اتبعوني أدلُّكم وأرشدكم إلى طريق الصواب، والهداية إلى الحق. يا قوم، إنما هذه الحياة الدنيا تمتع بملذات منقطعة، فلا تغرَّنَّكم بما فيها من متاع زائل، وإن الدار الآخرة بما فيها من نعيم دائم لا ينقطع هي دار الاستقرار والإقامة، فاعملوا لها بطاعة الله، واحذروا من الانشغال بحياتكم الدنيا عن العمل للآخرة.
فرفضوا نصحه، فقال: ستذكرون ما قدمت لكم من نصح، وتتحسَّرون على عدم قبوله، وأفوِّض أموري كلها إلى الله وحده، إن الله لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء. فحفظه الله من سوء مكرهم حين أرادوا قتله.
وكَانَ فرعونُ يَتَحَقَّقُ وَيَعْلَمُ فِي بَاطِنِهِ وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُظْهِرُ خِلَافَهُ بَغْيًا وَعُدْوَانًا، وَعُتُوًّا وَكُفْرَانًا.
وقد قال له مُوسَى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} . أي: هالكًا.
وعزم فرعون على ألا يبقي موسى ومن آمن معه في أرض مصر إما بنفيهم أو قتلهم ليتمكن من استعباد الباقين.
فدعا موسى عليه وقال في دعائه: ربنا، إنك أعطيت فرعون والأشراف من قومه من زخرف الدنيا وبهارجها زينة، وأعطيتهم أموالًا في هذه الحياة الدنيا، فلم يشكروك على ما أعطيتهم، بل استعانوا بها على الإضلال عن سبيلك، ربنا امْحُ أموالَهم وامحقها، واجعل قلوبهم قاسية، فلا يؤمنون إلا حين يشاهدون العذاب الموجع حين لا ينفعهم إيمانهم.