فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 525

يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا (1) ،

(1) الأكلة: جمع آكل. والقصعة: وعاء يؤكل فيه. والمعنى أن الكفرة يدعوا بعضهم بعضًا للأخذ من بلاد المسلمين بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوا وصفوا، ويأخذون ما في أيدي المسلمين بلا تعب ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأس يمنعهم. يقول الله جل وعلا: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) .

ومن المهم أن يعرف المسلم كيف اجتمع اليهود والنصارى على حرب المسلمين مع أن اليهود والنصارى كانوا يعادون بعضهم البعض؟ !

فاليهود ملعونون في الإنجيل عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، وعند النصارى فإن أعظم جرائم اليهود ليست مجرد الكفر بالله وشتم المسيح واتهامه بالسحر والكذب وشتم أمه واتهامها في عرضها وقتل الأنبياء وإنكار التثليث وتضليل النصارى والوعد بقتلهم فقط؛ بل يرون أعظمها: قتل ربهم المسيح (كما يزعمون) ! ! ! (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) ..

وهكذا ظلت العداوة لا تنطفئ بين الطائفتين -اليهود والنصارى-، واستمرت الكنيسة البابوية التي مقرها روما في لعن وعداوة اليهود، وقامت حملات عارمة تزعمها البابا لتنظيف المجتمعات الأوروبية من اليهود، وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر استمرت حملات التنظيف؛ فنظفت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وكثير من دول أوروبا من اليهود؛ لأنهم يرونهم أخطر خلق الله وأكثرهم شرًّا -وهم كذلك-.?

ومن جحيم أوروبا في عصور ظلماتها لجأ اليهود إلى كنف الأندلس وآواهم المسلمون، وبعدما احتل النصارى مدريد الإسلامية وشنوا حربهم الإبادية الشاملة على المسلمين في الأندلس شمل ذلك اليهود معهم؛ فلجئوا إلى الولايات التركية وخاصة اليونان.?

ثم لما ظهرت الحركة البروتستانتية النصرانية ابتهج اليهود بهذه الحركة ووجدوا فيها متنفسًا لهم وفرصة للانتقام من البابا وأتباعه وضرب النصارى بعضهم ببعض؛ فسخروا مكرهم ودهاءهم وأموالهم لنشرها، والبروتستانت: هي الطائفة النصرانية التي تحتج على البابا - زعيم الكاثوليك -، وتخرج عليه وتؤمن بأن البشر لا يتوسطون بين الناس وبين الله، وقالوا: إن على كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس مباشرة ويطبقه مباشرة، وترفض احتكار رجال الكهنوت لتعليم الدين وتفسير الإنجيل، وقد تأثروا في ذلك بالمسلمين إبان الحروب الصليبية؛ إذ رأوا أن المسلمين يتعاملون مع كتاب الله مباشرة، ولا يتوسط أحد بينهم وبين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

والذي حدث في أوروبا أنه بعد ظهور هذه العقيدة بدأ الناس يرجعون إلى الأصول التوراتية اليهودية المحرفة، وقام مارتن لوثر صاحب حركة البروتستانت بترجمة التوراة المحرفة إلى اللغة الألمانية، وكذلك الإنجليزية، وقد انتشرت الحركة البروتستانتية أكثر ما انتشرت في ألمانيا وبريطانيا وآمن هؤلاء بحرفية الكتاب المقدس وعصمة التوراة المحرفة، وأن كل حرف في التوراة المحرفة هو حق من عند الله، فآمنوا به وبضرورة تحقيقه، وأعرضوا عن تفسيرات البابا ورجاله للعلاقة مع اليهود.?

وقد خرج النصارى البروتوستانت من أوروبا بروح التدين التوراتي المحرف، فلما دخلوا أمريكا تفاءلوا بأن هذا خروج كخروج بني إسرائيل من التيه ودخولهم إلى الأرض المقدسة، وأخذوا يسمون المدن والمناطق في أمريكا بأسماء من التوراة المحرفة، واعتقدوا أن هذه الأرض البكر بشرى بشرهم الله بها في الدنيا، وتأسس المجتمع الأمريكي على أساس بروتستانتي توراتي، وكان ذلك من آثار استغلال اليهود الكتاب المحرف الذي يؤمن به اليهود والنصارى معًا، وهو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي يتكون من قسمين يسمون كلا منهما عهدًا، فالأول هو العهد القديم وهو التوراة التي تشتمل على النصوص المحرفة التي تمجد اليهود والمتناقضة مع ما في الإنجيل من لعن اليهود وعداوتهم، والآخر هو العهد الجديد وهو الأناجيل والرسائل المحرفة.?

ولذلك يتعاون اليهود والنصارى على حرب الإسلام والمسلمين، ومن الناحية السياسية يتفقون على أهمية إقامة دولة موالية للغرب في قلب العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة تقوم بإثارة المشاكل وإشغال دول المسلمين وإضعافهم دينيًا وفكريًا واقتصاديًا وتفصل مشرقهم عن مغربهم وتعمل على عدم اتحادهم حتى لا تعود الخلافة الإسلامية من جديد.

وقد تعهد اليهود أن يقوموا بهذه المهام مقابل دعم النصارى لهم لتحقيق المصلحة للطرفين. كما يتفق اليهود والنصارى أيضًا من الناحية العقدية على أن قيام دولة إسرائيل وتجمّع بنى إسرائيل في فلسطين هو تمهيد لنزول المسيح المنتظر الذي يحالفه النصر ويحكم العالم ويقضي على أعدائه، كما يفسره كل منهما، وأنه ستكون هناك حرب لا هوادة فيها ببلاد الشام وهي (معركة هرمجدّون) .

لكنهم يختلفون في من هو هذا المسيح المنتظر؟ ؛ هل هو عيسى ابن مريم كما يؤمن النصارى وأنه سيقتل اليهود والمسلمين؟ أم هو ملك يهودي من نسل داود (المسيح الدجال) كما يزعم اليهود وأنه سيقتل النصارى والمسلمين؟ !

ويعتقد كل من الطائفتين أنه سينتصر بقيادة المسيح الذي ينتظره ويفني الآخرين تمامًا! ! .

واليهود (كتبت عليهم الذلة إلا بحبل من الله وحبل من الناس) وهم بحاجة إلى من يساندهم من الناس، ولذا ابتدع حاخامات صهيون حيلة أقرهم عليها قادة الإنجيليين النصارى وهي تأجيل الخوض في نتيجة (معركة هرمجدون) التي ينتظرها كل منهما ليهلك الآخر، وأن تظل هذه المسالة معلقة تمامًا ولا يتم التطرق لها، وأن يكون التعاون بينهما على مبدأ التهيئة لنزول المسيح المنتظر بإقامة دولة تجمع بنى إسرائيل في فلسطين، فإذا نزل المسيح فعندها يُرى؛ أهو مسيح اليهود أم مسيح النصارى. لأن الخوض في نتيجة المعركة حاليًا ليس من مصلحة الطائفتين معًا! ! لكن المصلحة المحققة لهما تكون بأن يعملا سويًا للقضاء على العدو المشترك لهما وهو (المسلمون) ! !

وهم يسعون بجهود حثيثة سياسيًا وعسكريًا إلى إخضاع بلاد العرب والمسلمين للرهبة اليهودية العسكرية، وفرض الحماية الغربية على المنطقة، ثم من خلال ما يسمى بمنظورهم (عملية السلام) مع العرب؛ يسعون إلى التضييق على الدعوة الإسلامية وتغيير المناهج الإعلامية والتعليمية لمحو كل ما يثير العداء نحو اليهود، وفرض السيطرة المالية الاقتصادية ونشر الثقافة اليهودية والنصرانية ونهب ثروات المنطقة النفطية والمائية وإفساد المنطقة أخلاقيًا عن طريق السياحة والآثار والترفيه، وفتح الباب لغزو الجاسوسية لأماكن ما كانت تحلم بها من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت