وقال عليه الصلاة والسلام: مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ (القرآن) ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1) .
(1) القرآن هو المعجزة الباقية: لإثباته عجز البشر عن الإتيان بمثله أو بمثل بعضه، في ألفاظه ومعانيه.
وهذه الخصوصيّة جعلت القرآن أعظم الأدلّة على صدق النّبيّ صلى الله عليه وسلم في رسالته، والحجّة الباقية على النّاس إلى أن تقوم السّاعة. وقد قال الله عز وجلّ: (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .
فقد كان الله عزّ وجلّ يجري على أيدي رسله وأنبيائه ويسوق لهم من البراهين ما يدلّ على صدقهم أنّهم مبعوثون من عند الله، ممّا لا يقع مثله في العادة لغيرهم من البشر، وهو معجزاتهم، كعصا موسى، وإحياء عيسى للموتى، والإسراء والمعراج لنبيّنا صلى الله عليه وسلم، لكنّ تلك المعجزات كانت أدلّة لمن شهدها، ونصيب من لم يشهدها إنّما هو الخبر الواجب التّصديق، بخلاف القرآن، فإنّه المعجزة الباقية، الّتي لم تزل حيّة بين النّاس، لم يتبدّل ولم يتغيّر، ولن يكون ذلك في يوم من الدّهر.
وتحدّى الله عز وجلّ أرباب الفصاحة والبيان، بل جميع بني الإنسان، بل حتّى لو ظاهرهم عليه الجانّ، ولم يزل يتحدّى: أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بمثل بعضه، فما فعلوا، ولن يفعلوا ..
كما قال جلّ وعلا: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) ، وقال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) .
تحدّاهم بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله، على مثاله في النّظم والتّأليف والإحكام، وفي المعاني والدّلالات والأحكام، فعجزوا عن معارضته في كلّ ذلك، عن مماثلته بعباراتهم، أو مجاراته ببيانهم، أو مسابقته بقوانينهم وشرائعهم.
ذلك؛ لأنّه كلام ربّ العالمين تبارك وتعالى، وكلامه سبحانه من صفاته، وهو الّذي لا مثل له في ذاته ولا في صفاته، كما قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فكما لا مثل له سبحانه في سمعه، ولا مثل له في بصره، ولا مثل له في سائر صفاته، فكذلك لا مثل له في كلامه.
فهذه- والله- هي العلّة الّتي فارق بها كلامه سائر الكلام، وعجز لأجله الخلق عن معارضته، فليس كشعرهم ولا كنثرهم، ولا كقوانينهم وشرائعهم، مع أن حروفه من حروف كلامهم، ومفرداته من مفردات قاموسهم، فلم يجدوا له في ألسنتهم مع الفصاحة، ولا في عقولهم مع الرّجاحة، ما يمكنهم به أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فقد أبت قوانين الشّعر وأساليب النّثر ولوائح الأنظمة أن يقايس بها ويجري عليها.
(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) .
ويعسر أن تحدّ وجوه الإعجاز في القرآن العظيم، فكلّ شيء منه لا نظير له، فهو باهر في ألفاظه وأسلوبه، في تأليفه ونظمه، في بيانه وبلاغته، في تشريعه وحكمه الّتي حيّرت الألباب، في أنبائه وأخباره، في تاريخه وحفظه، في علومه الّتي لا تنقطع ولا تقف عند غاية. وقد أجمل وصفه وأحسنه من قال: «فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة؛ فإنّه تتلوه ألسنة لم تفتق بالعربيّة، بل ربّما تعسّر عليها قراءة سواه من الكلام العربيّ، أمّا هو فتنطلق به الألسنة مع عجمتها، فهو مُيَسَّر لِلذِّكْرِ، ولا يشبع منه العلماء، ولا تذهب لذّته بكثرة التكرار، بل هو في كل مرّة جديد، مهما تكرّرت تلاوته، ولا تنقضي عجائبه، هو الّذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتّى قالوا:"إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» .
ومن الإعجاز القرآني:
الإعجاز اللّغويّ: وهو أبرز ما تحدّى به القرآن العرب في حياة النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو التّحدّي في أبرز خصائصهم، فمع أنّه بلسانهم، وأتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم وأساليب بيانهم، وهم يومئذ في الذّروة في ذلك نثرًا ونظمًا.
ومنه الإعجاز الإخباريّ: فيما تضمّنه القرآن من الأنباء، ومنها:
1 -الإخبار عن الغيب المطلق، كالخبر عن الله عزّ وجلّ وأسمائه وصفاته، والملائكة، وصفة الجنّة وصفة النّار.
2 -الإخبار عن الأمور السّابقة، كالخبر عن بدء الخلق، وعن الأمم السّالفة.
3 -الإخبار عمّا يكون في مستقبل الزّمان، كالإخبار عن الشّيء قبل وقوعه في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم، أو عمّا سيكون بعد ذلك.
4 -الإخبار عمّا تكنّه النّفوس وتخفيه الضّمائر، ممّا لا يمكن أن يعلمه إلّا الله، ولا يصل إلى علم النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلّا بوحي الله.
ومنه الإعجاز التّشريعيّ: فيما أودع الله في كتابه من القوانين الّتي تشهد في استقامتها وعدلها وصلاحها لكلّ زمان أنّها من عند الله، وأن لا طاقة للخلق أن يوجدوا لها نظيرًا، مهما بلغت العقول. ذلك أنّ التّشريع مبنيّ على تحقيق مصالح العباد في الدّارين، ولا يحيط بتلك المصالح أحد من خلق الله؛ لقصور العلم، والنّقص بالطّبع، لكنّ الله سبحانه هو الخالق، فهو أعلم بخلقه وحاجتهم وما يكون به صلاحهم وفسادهم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
ومنه الإعجاز العلميّ: وذلك فيما بيّن الله في هذا الكتاب ودلّ عليه من الآيات في السّماوات والأرض والأنفس، ممّا لم يكن ليحيط به علم بشر في عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، ثمّ يبقى النّاس يكتشفون أسراره في الكون، والقرآن قد سبق به منذ دهر بعيد تصريحًا وتلويحًا، كان يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ، لم يدرس علوم الفضاء ولا البيئة ولا البحار ولا طبقات الأرض ولا الأجنّة، لينبئ العالم أنّه رسول ربّ العالمين، وأنّ هذا القرآن من علم الله الّذي أحاط بكلّ شيء. وهو أكثر ما يُدخل الناس في الإسلام.
وسمّى الله تعالى القرآن العظيم بأسماء، ونعته بنعوت، منها: الكتاب، وكلام الله، والفرقان، والذّكر.
أما تسمية القرآن بالمصحف، فهي تسمية ظهرت بعد أن جُمع القرآن مكتوبًا بين الدّفّتين. وجاءت من الصّحف الّتي جمع بعضها إلى بعض فأصبحت على هيئة الكتاب.
وأمّا ما ذكر الله عز وجلّ من نعوت وأوصاف كلامه المنزل على محمّد صلى الله عليه وسلم فكثير، فهو: هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة، وذكرى، وبشرى، ونذير، وبيان، وروح، ونور، ومبين، ومفصّل، ومبارك، وبصائر، وكريم، وعليّ، وحكيم، وعزيز، ومجيد، وقيّم، وأحسن الحديث، وغير ذلك من الصّفات الدّالّة على عظمته ومنزلته ورفيع قدره.