فنادوه: أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج، منهم عبد الله ابن أبي بن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل، وسُوَيد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتَمَنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خَرَجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم، فأجلاهم، وفيهم نزلت سورة الحشر.
ووقعت غزوة دومة الجندل في ربيع الأول سنة خمس من الهجرة، لخمس ليال بقين من ربيع الأول. ودومة الجندل: تقع شمالي نجد وهي طرف من أفواه الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له أن ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعًا كبيرًا وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان لها سوق عظيم وهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة، يقال له: مذكور، هاد خريت. فلما دنا من دومة الجندل، أخبره دليله بسوائم بني تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحدًا، فأقام بها أيامًا، وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلًا منهم فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن أصحابه فقال: هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.