قالت: فدخلت عليهم، فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهلهِ ** والموت أدنى من شراك نعلهِ
وسألت عامرًا، فقال:
إنيّ وجدت الموت قبل ذوقهِ ** إن الجبان حتفه من فوقهِ
قالت: وسألت بلالًا كيف تجدك؟ ، فكان بلال إذا أقلع عنه الحمى، يرفع عقيرته (1) يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة** بوادٍ (2) وحولي إذخر وجليل (3)
وهل أردن يومًا مياه مجنة (4) ** وهل يبدون لي شامة وطفيل (5)
ثم قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء. قالت عائشة: فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال:"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد. اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة. (6) "
وفي السنة الأولى من الهجرة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم. حتى كان يرث بعضهم بعضًا في أول الأمر. وأتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله ما رأينا قومًا أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم لقد كفونا المؤنة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم.
(1) قال الأصمعي: أصله أن رجلًا انعقرت رجله، فرفعها على الأخرى وجعل يصيح، فصار كل من رفع صوته يقال: رفع عقيرته، وإن لم يرفع رجله.
(2) أي: بوادي مكة.
(3) الجليل: نبت ضعيف، يحشى به خصاص البيوت وغيرها.
(4) موضع على أميال من مكه، وكان به سوق.
(5) جبلان بقرب مكة.
(6) قالت عائشة رضي الله عنها: فكان المولود يولد بالجحفة، فما يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى، وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلًا، تعني: ماء آجنا (أي: متغيرا) .