ثم إنَّ بني إسرائيل اخْتَلَفُوا وتفرقوا فِي اتباع الْحَقِّ بَعْدَ أن هَدَاهُمْ الله وَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقَّ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ، وفضلهم على أهل زمانهم من الأمم المعاصرة لهم وبَعْدَ مَا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وأخذ عليهم الميثاق، ولَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ؛ بَلْ عَلِمُوا الْحَقَّ وَلَكِنْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا يَبْغِي الْحَاسِدُ عَلَى الْمَحْسُودِ. وكان اختلافهم لِتَحَاسُدِهِمْ وَتَبَاغُضُهِمْ وَتَدَابُرِهِمْ، إذ كل فرقة تريد الرئاسة والسلطة الدينية والدنيوية لها دون غيرها، وحَمَلَهم البغيُ والعنادُ لغيرهم عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا، فَيَتَّبِعُ بعضهم هَوَاهُ وَيُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَهو يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَزِيغُ عَنْهُ.
وكَانَ كُفْرُ الْيَهُودِ بِتَبْدِيلِهِمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ قَبْلَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَتَصَرَّفُوا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَمَا تَصَرَّفُوا فِي مَعَانِيهَا (1) . وكما فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ: (اذْبَحِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ) ؛ أضافوا فِي نُسْخَةٍ: (بِكْرَكَ إِسْحَاقُ) ، ولَفْظَةُ"إِسْحَاقَ"محرفة بلا شك؛ لِأَنَّ الْوَحِيدَ وَهُوَ الْبِكْرُ إِسْمَاعِيلُ لأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشر سَنَةً فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَحِيدُ الْبِكْرَ إِسْحَاقُ.
(1) وفي بيت المِدراس بالمدينة وهُوَ الْبَيْت الَّذِي يقرأ فِيهِ اليهود التوراة ويتدارسونها؛ اعترف اليهود للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بتبديلهم حكم الرجم، وكتمانهم آية الرجم في التوراة. وكان ذلك بحضور أعلمهم واسمه ابن صوريا، وعبدالله بن سلام رضي الله عنه وكان قد أسلم وهو من أحبارهم.