فلما أصروا على تكذيبهم نجّى الله هودًا والذين آمنوا معه، وحل العذاب بقومه المكذبين فرأوا سحابًا معترضًا في جهة من السماء متجهًا لأوديتهم فظنوه سحابًا ممطرهم، وإنما كان العذاب الذي استعجلوه، ريحًا شديدة البرد قاسية ذات صوت مزعج، بلغت الغاية في القسوة عليهم. أرسلها الله عليهم مدة سبع ليالٍ وثمانية أيام تفنيهم عن بكرة أبيهم وتدمر كل شيء مرت عليه مما أمرها الله بإهلاكه، فأصبحوا هلكى مصروعين في الأرض كأنهم أصول نخل ساقطة بالية. لا يُرَى إلا بيوتهم التي كانوا يسكنونها. ونجى الله هودًا والذين آمنوا معه برحمته. (1)
ثم بعث الله إلى ثمود نبيه صالحًا فدعاهم إلى التوحيد وطاعة الله وذكرهم بنعم الله عليهم من الخيرات والنعم والأمن وعدم الخوف، ومن الرخاء والعيش في بساتين وعيون جارية وزروع ونخل ثمرها لين نضيج. وأن الله جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد، ومكنهم أن ينحتوا الجبال فيصنعوا منها بيوتًا، ويبنون في سهول الأرض قصورًا. فكذبوه واتهموه أنه مسحور، واستهزؤوا به وبالمؤمنين المستضعفين معه.
(1) جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام:"نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وأُهْلِكَت عادٌ بالدَّبُور".
و (الصَّبَا) هي الريح التي تهب من مشرق الشمس ونصرته بها صلى الله عليه وسلم كانت يوم الخندق إذا أرسلها الله تعالى على الأحزاب باردة في ليلة شاتية فقلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وقلبت قدورهم وكان ذلك سبب رجوعهم وانهزامهم. و (الدَّبُور) هي الريح التي تهب من مغرب الشمس وبها كان هلاك قوم عاد كما قص علينا القرآن الكريم.