ثم كانت قِصَّةُ تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ، وهو تُبَّانِ أَسْعَدَ، مَلِكِ الْيَمَنِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ مَعَ الشِّحْرِ وَحَضْرَمَوْتَ تُبَّعًا، كَمَا يُسَمُّونَ مَنْ مَلَكَ الشَّامَ مَعَ الْجَزِيرَةِ قَيْصَرَ، وَمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ كِسْرَى، وَمَنْ مَلَكَ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ النَّجَاشِيَّ، وَمَنْ مَلَكَ الْهِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مُلُوكِ حِمْيَرَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ بِلْقِيسُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قِصَّتَهَا مَعَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ومر تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ بجيشه على المدينة وقاتل أهلها، فَبَيْنَما هوعَلَى ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِمْ إِذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ عَالِمَانِ رَاسِخَانِ حِينَ سَمِعَا بِمَا يُرِيدُ مِنْ إِهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا مَا تُرِيدُ حِيَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ فَقَالَ لَهُمَا: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَا: هِيَ مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ تَكُونُ دَارَهُ وَقَرَارَهُ فَتَنَاهَى وَرَأَى أَنَّ لَهُمَا عِلْمًا، وَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمَا فَانْصَرَفَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا.