ثُمَّ لَمَّا مَاتَ صَدِيقَةُ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَجَ أَمَرُهُمْ وَاخْتَلَطَتْ أَحْدَاثُهُمْ، وَكَثُرَ شَرُّهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى شِعْيَا، فَقَامَ فِيهِمْ فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَأَنْذَرَهُمْ بَأْسَهُ وَعِقَابَهُ إِنْ خَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ عَدَوْا عَلَيْهِ وَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ فَانْفَلَقَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا، وَأَدْرَكَهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَ بِهُدْبَةِ ثَوْبِهِ فَأَبْرَزَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ جَاءُوا بِالْمِنْشَارِ فَوَضَعُوهُ عَلَى الشَّجَرَةِ، فَنَشَرُوهَا وَنَشَرُوهُ مَعَهَا.
وقد كَانَ الْيَهُودُ مَعَ مُوسَى عِزّة ولَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ، واسْتَمَرُّوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، طَالِبِينَ إِلَى بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهِيَ بِلَادُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ فِيهِا قَوْمٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ، فَنَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ قِتَالِ الْعَمَالِقَةِ فَشَرَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِيهِ هَارُونُ، ثُمَّ مُوسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَهُمَا مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَ مُلْكِه، ثم تمردوا على شريعتهم وعَبَدُوا الْأَصْنَامَ مَرَّاتٍ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ. وكان فِيهِمْ مِنَ التَّنَقُّصِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سَبِّهِمْ، وَذِكْرِ عُيُوبٍ نَزَّهَهُمُ اللَّهُ عَنْهَا، مَا هُوَ مَعْرُوفٌ.