فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 525

ولَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ؛ كَتَبَ كِتَابًا عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ:"إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي"، وإِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ (مِائَةَ جُزْءٍ) ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ (1) مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْهَوَامِّ، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ. وَادَّخَرَ عِنْدَهُ لِأَوْلِيَائِهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ضَمَّهَا إِلَيْهَا فَأَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ وَرَحِمَ بِهَا عِبَادَهُ، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ الْعَذَابِ؛ مَا طَمِعَ فِي الْجَنَّةِ أَحَدٌ.

ومَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ (2) ،

(1) يعني: ملء ما بينهما.

(2) اليمّ: البحر والنهر العظيم، قيل هو كلمة عربية. وقيل معرب عن السريانية وأصله فيها (يَمّا) وقال شَيْدَلَةُ: هو من القبطية، وقال ابن الجوزي: هو من العبرية، ولعله موجود في هذه اللغات. ولعل أصله عربي وأخذته لغات أخرى ساميّة من العربية وأطلق في القرآن على بحر القُلْزُم، المسمى في التوراة بحر سُوف، وهو البحر الأحمر. وعلى نهر النيل، وكلاهما لهما اتصال بأرض مصر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت