فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 525

إيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ، ومَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا ما لَيس مِنهُ فَهو رَدٌّ. (1)

(1) المسلمون المهتدون هم أهل السنة والجماعة المستمسكون بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم الأمة الوسط؛ فلا يكفِّرون المسلمين بمجرد ارتكاب أي ذنب، ولا يستحلون دماءهم، ولا يخرجون على الحاكم الشرعي أو يقاتلونه كالخوارج المارقين؛ بل يولونه السمع والطاعة في المعروف ما دام مقيمًا للدين والصلاة في الناس ولم يظهر كفرًا بواحًا، وأن من نقض البيعة فميتته جاهلية، ويجوز قتل الخارج الذي يشق الصف ويفرق الأمة.

ومن أعظم البدع في الدين: بدع المنافقين من الشيعة الرافضة وهم طوائف عديدة متفاوتة: فكما عُرِفَ نِفَاقُ جَمَاعَةٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بن سلول وَذَوِيهِ؛ فإنه معلوم للمسلمين نِفَاقُ سَائِرِ الشيعة الرَّافِضَةِ؛ فقد حرّفوا قصة الثامن عشر من ذي الحجة الذي خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه بغدير خم حين رجع من حجة الوداع؛ فإنه - صلى الله عليه وسلم - خطب فيه خطبة وصى فيها باتباع كتاب الله، ووصى فيها بأهل بيته كما روى ذلك مسلم في (صحيحه) عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، فزاد بعض أهل الأهواء منهم في ذلك حتى زعموا أنه عهد إلى علي رضي الله عنه بالخلافة بالنص الجلي بعد أن فرش له وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلامًا وعملًا قد عُلم بالاضطرار أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤوا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسقوا وكفروا إلاّ نفرًا قليلًا ..

ومن هؤلاء الرافضة من يزعم أن القرآن ناقص أو محرف بل يستخفون بالمصحف ويهينوه، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْمُصْحَفِ مِثْلَ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي الْحُشِّ أَوْ يَرْكُضَهُ بِرِجْلِهِ إهَانَةً لَهُ إنَّهُ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ.

وهم يتركون اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفرّون الصحابة، ويطعنون في أمهات المؤمنين. وينشرون الزنا والفساد والدعارة باسم المتعة. ويتحالفون مع الكفار ضد المسلمين. ويحيون عبادة النار. ويعتقدون عصمة أئمتهم، ويعتقدون أن التقية تسعة أعشار الدين. ويحبون الحسين أكثر من أي إنسان لأنه تزوج بنت كسرى، ويقدسون قبر أبي لؤلؤة المجوسي لأنه قتل خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويحزنون الحزن الشديد يوم عاشوراء كما يفعله النصارى في الشعانين. ويكرهون الرقم 10 كما يكره النصارى الرقم 13. وعندهم عقيدة المخلّص المنتظر كما أن عند المجوس المخلص"شوشن". والإثنا عشرية منهم يكفّرون النصيرية لأن مؤسس النصيرية محمد بن نصير يكُفر بمهديّهم الموهوم الذين يزعمون اختفاءه في سرداب سامراء. والنصيريون الباطنيون يشهدون أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين، ويؤلهون علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد سماهم العثمانيون"العلي إلهية"، ثم حرفها الفرنسيون إلى"العلوية". والشيعة الباطنية وغيرهم من المنافقين هم أشد عداوة وخطرًا على المسلمين من الخوارج والزيدية.

ومنهم الْمَلَاحِدَةَ وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ الْقَرَامِطَةَ أو الْبَاطِنِيَّةَ أو الْإِسْمَاعِيلِيَّة أو الْنُصَيْرِيَّة أو الخرمية أو الْمُحَمِّرَةَ؛ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا تُبَاحُ ذَبَائِحُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ دَفْنُهُمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا اسْتِخْدَامُ مِثْلِ هَؤُلَاءِ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ حُصُونِهِمْ أَوْ جُنْدِهِمْ فَإِنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَسْتَخْدِمُ الذِّئَابَ لِرَعْيِ الْغَنَمِ؛ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَغَشِّ النَّاسِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِوُلَاةِ أُمُورِهِمْ وَهُمْ أَحْرَصُ النَّاسِ عَلَى فَسَادِ الْمَمْلَكَةِ وَالدَّوْلَةِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ قَطْعُهُمْ مِنْ دَوَاوِينِ الْمُقَاتِلَةِ فَلَا يُتْرَكُونَ فِي ثَغْرٍ وَلَا فِي غَيْرِ ثَغْرٍ، فإنهم إذَا أُخِذُوا فَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ التَّوْبَةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِهِمْ التَّقِيَّةُ وَكِتْمَانُ أَمْرِهِمْ وَفِيهِمْ مَنْ يُعْرَفُ وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ لَا يُعْرَفُ. فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحْتَاطَ فِي أَمْرِهِمْ فَلَا يُتْرَكُونَ مُجْتَمِعِينَ وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ وَلَا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَيَلْزَمُونَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ: مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَيُتْرَكُ بَيْنَهُمْ مِنْ يُعَلِّمُهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ وَيُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُعَلِّمِهِم.

وأهل السنة والجماعة يحبون آل البيت ويعرفون لهم فضلهم وحقهم ومنزلتهم، دون أن يغلوا فيهم أو يقدسوهم أو يعبدوهم، ويحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويترضون عنهم ويقتفون هديهم ولا يكفرونهم كما يفعل الروافض من الشيعة، بل يحبون الصالحين ولا يغلون فيهم ولا يدعونهم من دون الله ولا يطوفون بقبورهم وأضرحتهم ولا ينسبون لهم العصمة أو رفع التكليف أو حق التشريع أو التحكم بالكون بدعوى الولاية كما يفعل القبوريون والزنادقة وغلاة المتصوفة.

وليس الإيمان عند أهل السنة والجماعة مجرد النطق أو المعرفة دون الانقياد بالعمل الصالح كما هو حال جماعة ممن أضلهم الهوى. ومنهم طائفة يقدّسون آراء وأهواء أوليائهم ويقدّمونها على نصوص الوحي الصريحة، ويدورون مع رأي أوليائهم حيث داروا ويُوجِبون التسليم لهم مطلقًا. ويشغلون ألسنتهم وأقلامهم بأعراض من خالفهم من أهل العلم والدعوة والنصح والاحتساب أو يصفونه بهتانًا بصفات المارقين من الدين وأصحاب الخروج والفتن، فيستبيحون غيبته والبحث عن عيوبه وأخطائه وتتبع زلاته والافتراء عليه ويفجرون في الخصومة معه ويبهتونه ويوشون به وقد يستحلون دمه ويستعدون أهل السلطة عليه. فمن وافق ضلالهم وأهواءهم وصفوه بالإيمان، ومن خالفهم فهو عندهم ضال مارق من الدين. بل تجد منهم من يوالون المخالف لهم في أصل الدين، ويعادون أهل الملة والإيمان. ويصل بهم الأمر للتنازع بينهم في السيادة والظهور والتملق وتضليل بعضهم البعض وتحذير بعضهم من بعض، وأقوالهم تدعوا إلى الجماعة ويعنون جماعتهم، وأفعالهم تمزق الجماعة المسلمين وتورث الفرقة، حتى صاروا موضع مدح وإطراء من أعداء الدين، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت