وكان أقسم ليضربنَّ زوجته مائة جلدة إذا شفاه الله، لمَّا غضب عليها من أمر أثناء مرضه، وكانت امرأة صالحة؛ فأوحى الله إليه أن يأخذ بيده حُزمة شماريخ (1) ، ويضرب بها زوجته ضربة واحدة إبرارًا بيمينه، فلا يحنث. فخفف الله عنهما، وجمعه بأهله جميعًا، وزاده عليهم مثلهم من البنين والحفدة رحمة به، وجزاءً له على صبره.
وكان يوسف وشقيقه الأصغر بنيامين هما أصغر أبناء يعقوب، وأُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ (2) .
(1) يعني: شماريخ النخل، وهي حزمة من العيدان التى كان عليها البسر. والتي تكون فيها العذوق.
(2) أي نصف كمال الجمال البشري، وقيل: نصف جمال آدم عليه السلام. وأن المقصود بـ (أمه) : سارة زوجة إبراهيم عليه السلام، وهي أم جده إسحاق عليهم السلام.
قال ابن قتيبة: وَالَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ، أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، جَعَلَ لِلْحُسْنِ غَايَةً وَحَدًّا، وَجَعَلَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، إِمَّا لِلْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِلْحُورِ الْعين؛ فَجعل ليوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ نِصْفَ ذَلِكَ الْحُسْنِ، وَنِصْفَ ذَلِكَ الْكَمَالِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَ لِغَيْرِهِ ثُلُثَهُ، وَلِآخَرَ رُبُعَهُ، وَلِآخَرَ عُشْرَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَجْعَلَ لِآخَرَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّهُ أُعْطِيَ نِصْفَ الشَّجَاعَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنَّ يَكُونَ أُعْطِيَ نِصْفَهَا، وَجُعِلَ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمُ النِّصْفَ الْآخَرَ. وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى؛ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُعْطِيَ نِصْفَ الشَّجَاعَةِ، يُقَاوِمُ الْعِبَادَ جَمِيعًا وَحْدَهُ ..
وَلَكِنْ مَعْنَاهُ: أَنْ لِلشَّجَاعَةِ حَدًّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيَجْعَلُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَيُعْطِي غَيْرَهُ النِّصْفَ مِنْ ذَلِكَ، وَيُعْطِي لِآخَرَ الثُّلُثَ، أَوِ الرُّبُعَ، أَوِ الْعُشْرَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.