هذا"، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، فكان فيه قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه (1) الحجارة، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبنيه، وهم ينقلون الصخر، وطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينقل معهم اللبن في بنيانه ويناولونه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أبر ربنا وأطهر، اللهم إن الأجر أجر الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة، ألا إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة". فتمثل بشعر رجل من المسلمين. (2) وهم يرتجزون (3) ويقولون:"اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة". ثم بناه مسجدًا باللبن (4) وسقفه مظلل بجريد النخل، وعمده من خشب النخل."
وما فرح أهل المدينة بشيء فرحهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جعل الإماء والصبيان يقولون: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد جاء، ولعبت الحبشة لقدومه بحرابهم فرحًا بذلك، وكانت الحبشة يَزْفِنُونَ (5) بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرقصون، ويتكلمون بكلام لا يفهمه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما يقولون؟"قالوا: يقولون: محمد عبد صالح.
(1) عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله.
(2) وهُوَ قَول عبدالله بن رَوَاحَةَ رضي الله عنه.
(3) أي: يتعاطون الرجز، وهو ضرب من الشعر.
(4) اللبن: ما يعمل من الطين، يعني الطوب والآجر.
(5) أَي: يرقصون. من زفن يزفن: رقص.