وحل العذاب بقوم إبراهيم (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) فهلك ملكهم النمرود وسُلبوا النعم التي كانوا فيها (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) .
وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانُوا كُفَّارًا سِوَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَامْرَأَتِهِ، وَابْنِ أَخِيهِ لُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. ولَمَّا هَجَرَ قَوْمَهُ فِي اللَّهِ، وَهَاجَرَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، -وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا لَا يُولَدُ لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَحَدٌ، بَلْ مَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ لُوطُ بْنُ هَارَانَ بْنِ آزَرَ-؛ وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَوْلَادَ الصَّالِحِينَ، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكُلُّ كِتَابٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ فَعَلَى أَحَدِ نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ خِلْعَةً مِنَ اللَّهِ وَكَرَامَةً لَهُ حِينَ تَرَكَ بِلَادَهُ وَأَهْلَهُ وَأَقْرِبَاءَهُ، وَهَاجَرَ إِلَى بَلَدٍ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي قَصَدَهَا بِالْهِجْرَةِ أَرْضُ الشَّامِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} .
وَقَد آتَاهُ اللَّهُ رُشْدَهُ فِي صِغَرِهِ، وَابْتَعَثَهُ رَسُولًا، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا فِي كِبَرِهِ. ولم يشاركه في الخلة إلا محمد صلى الله عليهما وسلم.