فقالوا -مُعْترِفين بنقصهم مُرْجِعين الفضل إلى الله-: نُنَزّهُك ونعظِّمك يا ربَّنا عن الاعتراض عليك في حُكمك وشرعك، فنحن لا نعلم شيئًا إلا ما رزقتنا علمه، إنك أنت العليم الَّذي لا يخفى عليك شيء، الحكيم الَّذي تضع الأمور في مواضعها من قدرك وشرعك، وعندئذ أمر الله تعالى آدمَ أن يخبرهم بأسماء تلك المسمَّيات، فلما أخبرهم كما علَّمه ربه، قال الله للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما خفي في السماوات وفي الأرض؟ وأعلم ما تُظْهرون من أحوالكم وما تحدِّثُون به أنفسكم.
وأُمِر الملائكةُ بالسجود لآدم سجود تقدير واحترام، فسجدوا مسارعين لامتثال أمر الله، إلا إبليس الَّذي كان من الجن، فامتنع اعتراضًا على أمر الله له بالسجود وتكَبُّرًا على آدم، فصار بذلك من الكافرين بالله تعالى.
والله -وهو عالِم بكل شيء- قال توبيخًا لإبليس: أي شيء منعك من امتثال أمري لك بالسجود لآدم؟ ؛ أمنعك من السجود التكبر؟ ، فقال إبليس مجيبًا ربه: منعني أني أفضل منه، فقد خلقتني من نار، وخلقته هو من طين، والنار أشرف من الطين.
فأخرج اللهُ إبليسَ من الجنة واهبطه منها مذمومًا مطرودًا من رحمة الله؛ لأن الجنة دار الطيِّبين الطاهرين، وليست للمستكبرين.
فقال إبليس: يا رب، أمهلني إلى يوم البعث حتى أغوي من أستطيع إغواءه من الناس.
قال له الله: إنك -يا إبليس- من المُمْهَلين الذين كتبت عليهم الموت يوم النفخة الأولى في الصور حين يموت الخلق كلهم، ويبقى خالقهم وحده.
فقال إبليس: بسبب إضلالك إياي حتى تركتُ امتثال أمرك بالسجود لآدم لأُقْعُدَنَّ لبني آدم لأصرفهم وأضلهم عن صراطك المستقيم كما ضَلَلْتُ أنا عن السجود لأبيهم آدم، ثم لآتِينَّهم من جميع الجهات بالتزهيد في الآخرة، والترغيب في الدنيا، وإلقاء الشبهات، وتحسين الشهوات، ولا تجد -يا رب- أكثرهم شاكرين لك؛ لما أمليه عليهم من الكفر.