وجاء أمر الله بإهلاك قوم لوط فأخذهم صوت شديد مهلك عند دخولهم في وقت شروق الشمس، ورفعت قراهم ثم قلبت فصار عالي قراهم سافلها، وأمطر الله عليهم مطرًا عظيمًا بحجارة من طين متصلب معلمة عند الله بعلامة خاصة مصفوف بعضها فوق بعض بتتابع، ونجى الله لوطًا ومن آمن معه برحمته، وبقي خسف مكان قوم لوط (منطقة البحر الميت) آية للعظة على طريق المسافرين، وهو طريق متصل بقرية مدين أصحاب الأيكة -وهي القرية ذات الشجر الملتف- (وإنهما لبإمام مبين) .
وبعث الله إلى مدين (1) نبيه شعيبًا عليه السلام، وكانوا قريبي عهد بلوط وقومه زمانًا ومكانًا، فمدين وسدوم كلاهما على طريق واحدة ظاهرة للمسافرين. فذكرهم شعيب بنعم الله عليهم وكيف أن الله منّ عليهم بأن كان عددهم قليلًا فكثَّرهم، ودعاهم إلى توحيد الله وأن يتمُّوا المكيال والميزان بالعدل، ولا ينقصوا الناس من حقوقهم شيئًا بالتطفيف والغش والخداع أو بعيب سلعهم، والتزهيد فيها، أو المخادعة لأصحابها وألا يفسدوا في الأرض بالمعاصي وألا يقعدوا بكل طريق يهددون من سلكه من الناس ليسلبوا أموالهم، ويصدوا عن دين الله من أراد الاهتداء به. وأن ما يبقيه الله لهم من الحلال بعد إيفاء حقوق الناس بالعدل؛ أكثر نفعًا وبركة من الزيادة الحاصلة بالتطفيف والإفساد في الأرض، وقال لهم: ما أريد أن أنهاكم عن شيء وأخالفكم في فعله، لا أريد إلا إصلاحكم بدعوتكم إلى توحيد ربكم وطاعته قدر استطاعتي، وما توفيقي إلى الحصول على ذلك إلا بالله سبحانه.
فرفضوا ترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤهم وأصروا على التصرف بأموالهم كيف يشاؤون بالباطل. وهددوا بقتله لولا عشيرته. وهددوا بإخراجه ومن آمن معه من قريتهم. وزعموا أن الذين اتبعوا شعيبًا سيخسرون.
(1) وتقع مدين في المنطقة التي تسمى اليوم: البَدع، وهي قريبة من تبوك، شمال غرب الجزيرة العربية. وأهلها هم: أصحاب الأيكة.