فخَرَجَ مَنْ كَانَ فِيهَا وَتَخَلَّفَ لِيَخْرِقَهَا، فَعَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، فَخَرَقَهَا، وَوَتَّدَ فِيهَا وَتَدًا، فَقَالَ مُوسَى: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} ؟ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} يعني: مُنْكَرًا. {قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ ، قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} ، فَكَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا، وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا. فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ الْبَحْرِ، مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ. فَذُعِرَ عِنْدَهَا مُوسَى - عليه السلام - ذَعْرَةً مُنْكَرَةً، فَقَالَ: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} مُسْلِمَةً لَمْ تَعْمَلْ بِالْحِنْثِ {بِغَيْرِ نَفْسٍ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا؟ } (1) .
قَالَ محمد - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ هَذَا الْمَوضع لما حكاه لأصحابه: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى (2) ، لَوْلَا أَنَّهُ عَجِلَ، لَرَأَى الْعَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتْهُ مِنْ صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ (3) ،
(1) قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنْ الْأُولَى.
(2) قَالَ أُبَيٌّ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى أَخِي كَذَا. .
(3) استحياء لتكرار مخالفته ..