-عليه السلام - فَفَقَأَ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، وَلَوْلَا كَرَامَتُهُ عَلَيْكَ، لَعَنُفْتُ بِهِ، فَرَدَّ اللهُ - عز وجل - عَلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ؛ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ غَطَّتْهَا يَدُكَ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. فَقَالَ مُوسَى: فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ ، قَالَ: الْمَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ إِذًا.
فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ (1) . فَشَمَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ شَمَّةً، فَقَبَضَ رُوحَهُ.
(1) أَيْ: قَدْر رَمْيَة حَجَر، والْحِكْمَة فِي أَنَّهُ لَمْ يَطْلُب دُخُولهَا لِيُعْمِيَ مَوْضِعَ قَبْره لِئَلَّا تَعْبُدهُ الْجُهَّال مِنْ مِلَّته، أو أَنْ يَكُون سِرّ ذَلِكَ أَنَّ الله لَمَّا مَنَعَ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ دُخُول بَيْت الْمَقْدِس وَتَرَكَهُمْ فِي التِّيه أَرْبَعِينَ سَنَة إِلَى أَنْ أَفْنَاهُمْ الْمَوْت فَلَمْ يَدْخُل الْأَرْض الْمُقَدَّسَة مَعَ يُوشَع إِلَّا أَوْلَادهمْ، وَلَمْ يَدْخُلهَا مَعَهُ أَحَد مِمَّنْ اِمْتَنَعَ أَوَّلًا أَنْ يَدْخُلهَا، وَمَاتَ هَارُون ثُمَّ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام قَبْل فَتْح الْأَرْض الْمُقَدَّسَة، فَكَأَنَّ مُوسَى لَمَّا لَمْ يَتَهَيَّأ لَهُ دُخُولهَا لِغَلَبَةِ الْجَبَّارِينَ عَلَيْهَا، وَلَا يُمْكِن نَبْشُ قبرهِ بَعْد ذَلِكَ لِيُنْقَلَ إِلَيْهَا؛ طَلَبَ الْقُرْب مِنْهَا، لِأَنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْء يُعْطَى حُكْمه.