وكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الْوَحْيِ (1) ؛ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلْوَةُ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ (2)
(1) ثم بعد البعثة تنوعت صور الوحي إما بالرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، أو بمَا كَانَ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ في رُوعِهِ وقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ، أو يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ رَجُلًا، فيُخَاطِبُهُ حتَّى يَعِي عَنْهُ ما يَقُولُ لهُ، أو يَأْتِيهِ الوحي في مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وكَانَ أشَدُّهُ عَلَيْهِ، فيَتَلَبَّسُ بِهِ المَلَكُ حتَّى إِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، وحتَّى إِنَّ نَاقَتَهُ لَتَبْرُكُ بِهِ إِلَى الأَرْضِ إِذَا كَانَ رَاكِبَهَا، ولَقَدْ جَاءَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- الوَحْيُ كَذَلِكَ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رضي اللَّه عنه- فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَتْ تَرُضُّهَا. وكَانَ رسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخَافُ مِنْ نِسْيَانِ الوَحْي، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ. . فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} أي: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ وَتَقْرَأهُ، . . {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} . .، أي: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأنْصِتْ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ، بأَنْ تَقْرَأَهُ.
(2) أَي يفعل فعلا يطْرَح عَنهُ الْحِنْث أَي الْإِثْم ..