وقال: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها) ، وزيادة في الإخفاء والتعمية بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قوامها ثمانية رجال، تحت قيادة أبي قتادة بن رِبْعِي، إلى بطن إضَم، فيما بين ذي خَشَب وذي المروة، على ثلاثة بُرُد من المدينة، في أول هذا الشهر الكريم؛ ليظن الظان أنه صلى الله عليه وسلم يتوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار، وواصلت هذه السرية سيرها، حتى إذا وصلت حيثما أمرت بلغها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة، فسارت إليه حتى لحقته. وقد خَرَجَ صلى الله عليه وسلم فِي عاشر رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلافٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فَسَارَ هُوَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، وَهْوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ - فأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا. ثم مضى حتى نزل بمر الظهران وهو واد قريب من مكة. وكان أبو سفيان قد رأى جيش النبي صلى الله عليه وسلم قبل دخوله مكة، فهاله ما رأى. ثم أسلم في أثناء ذلك. ثم جاء إلى قومه وصرخ فيهم محذرًا لهم بأن لا قبل لهم بجيش محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لهم ما قاله عليه الصلاة والسلام:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن". فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد. ودخل مكة من كداء التي بأعلى مكة لتسع عشرة ليلة خلت من رمضان وسمي عام الفتح. وقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم بعض المشركين يوم الفتح. ووجد عليه الصلاة والسلام حول البيت ثلاثمائة وستين نصبًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد) . وأقام صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة تسعة عشر يومًا على الأرجح.