ثم قال وهو ينادي بأعلى صوته محمرة عيناه: أيها الناس يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا. فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه فعرضت علي الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، فتناولت منها عنقودًا حين رأيتموني جعلت أتقدم، فقصرت يدي عنه، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ثم عرضت عليّ جهنم يحطم بعضها بعضًا، وذلك حين رأيتموني تأخرت، حتى لقد جعلت أتقيها مخافة أن يصيبني من لفحها، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: لم يا رسول الله؟ ، قال:"بكفرهن"، قيل: يكفرن بالله؟ ، قال:"يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا؛ قالت: ما رأيت منك خيرًا قط. ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قُصْبَهُ (1) - وهو الذي سيب السوائب، ورأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعًا فهي إذا أقبلت تنهشها، وإذا أدبرت تنهشها. ورأيت فيها صاحب المحجن متكئًا على محجنه في النار، يقول: أنا سارق المحجن - وكان يسرق الحجيج بمحجنه، فإن فطن له قال: لست أنا أسرقكم، إنما تعلق بمحجني وإن غفل عنه ذهب به-، والذي سرق بدنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع."
(1) يَجُرُّ قُصْبَهُ (أمعاءه) فِي النَّارِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِسْمَاعِيلَ فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ وَبَحَّرَ الْبَحِيرَةَ وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ وَحَمَى الْحَامِيَ.