وبينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما وأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: العنسي صاحب صنعاء (1) ، ومسيلمة صاحب اليمامة (2) .
(1) كانت فتنة خروج الأسود العنسي وادعائه النبوة قبل حجة الوداع في العام العاشر، ودامت أربعة أشهر، وكانت أول ردة في الإسلام، وقد أثار الأسود موضوع أخذ الزكاة من اليمن، وتمكن المسلمون من قتله في قصره، وإعلان العودة إلى الاسلام.
(2) وقد قال عليه الصلاة والسلام لمسيلمة: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت، ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت) .
والصحابة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بايعوا أبا بكر الصديق على الخلافة عبر مجلس شورى من كبار الصحابة في سقيفة بني ساعدة. وظهرت ردة مسيلمة الكذاب وقبائل عديدة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وامتنعت بعض القبائل عن دفع الزكاة، فأوضح الصديق للصحابة رضوان الله عليهم بقوله:"والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا- أي معزةً- كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها". ووافقه الصحابة، واعتمد أبو بكر رضي الله عنه على أهل المدينة ومكة والطائف وما حولها من قبائل في تجهيز الجيوش للقضاء على المرتدين. ونصره الله عليهم وعادت تلك القبائل إلى الإسلام .. وترجع عوامل الردة إلى عدم تغلغل الإيمان في القلوب لتأخر اسلامهم وبسبب قصر الزمن الذي تم فيه تبلغ الدعوة، وطبيعة الأعراب المتسمة بالجفاء مع ضعف المستوى الثقافي مما جر إلى ضعف فقه تعاليم الدين وخاصة بالنسبة للزكاة التي اعتبرها البعض ضريبة مهينة، واستثقلوا الصلاة والعبادات الأخرى، كما أن العصبية القبلية لا زالت عميقة في تلك البلاد النائية ووسط نجد حيث ترى القبائل أنها أضخم عددا وعُددا من قريش وبالتالي فهي أولى بالزعامة، وعلى الأقل لم تكن ترضى بالخضوع لحكم قريش. ولم يشرك الصديق رضي الله عنه أحدًا من المرتدين في الفتوح الإسلامية في خلافته، بل جردهم من السلاح لأنه لم يأمنهم لحداثة عهدهم بالردة، وعقوبةً لهم بإظهار الاستغناء عنهم، ثم لأنه لم يشأ أن يكونوا طلائع الفتح الاسلامي فلا يقدمون لسكان المناطق المفتوحة المثال الصالح للجندي المسلم.
(جمع القرآن في صحف بعد استشهاد كثير من قراء الصحابة)
الصحابة الذين كان يتنزل الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعلمهم ومشاهدتهم، كان لهم الأسوة الحسنة برسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالإسراع إلى حفظ القرآن واستظهار آياته، وقد ساعدهم نزول القرآن منجّما على الحفظ.
وعلموا ما كان من وقوع النسخ في القرآن، قال تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} وقال: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر، بل أكثرهم لا يعلمون} وقال: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} . وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما نسخ حكمه وتلاوته، كعشر رضعات. والثاني: ما نسخت تلاوته دون حكمه، كخمس رضعات، والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. والثالث: ما نسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم. . الآية} والله أعلم.
وعلم قراء الصحابة أوجه القراءات التي نزل بها القرآن وقال فيها عليه الصلاة والسلام:"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، على أي حرف قرأتم فقد أصبتم".
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات (لهجات) العرب في المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات (لهجات) العرب في التعبير عن معنًى من المعاني يأتي القرآن مُنَزَّلًا بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر. نحو: أَقْبِل وتعال، وهلم، وعَجِّل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، وإليه ذهب أكثر العلماء ويدل له ما جاء في حديث أبي بكرة:"أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلم وتعالى وأَقْبِل واذهب وأسرع وعَجِّل. وقد لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: فمرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف."
ومن حِكَم نزول القرآن على سبعة أحرف:
1 -تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لكل قبيل منهم لسان.
2 -إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب، حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري، وأنه لا يمكن مضاهاته بأي لسان.
3 -إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه -فإن تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يتهيأ معه استنباط الأحكام التي تجعل القرآن ملائمًا لكل عصر- ولذا احتج الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد بقراءات الأحرف السبعة.
وقد قتل يوم اليمامة سبعون من القرّاء، وقتل في عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ببئر معونة مثل هذا العدد من القرّاء الذين عرضوه على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واتّصلت بنا أسانيدهم، وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير.
والاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذه الأمة، يقول ابن الجوزي شيخ القرّاء في عصره: إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف- الكتب- أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة. وقد ورد في صفة هذه الأمة: أناجيلهم صدورهم، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتاب، ولا يقرءونه كلّه إلا نظرا لا عن ظهر قلب.
وأرسل أبو بكر - رضي الله عنه - إلى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بعد مقتل أهل اليمامة وعنده عمر - رضي الله عنه - فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ، فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر - قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم - فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، فقلت لهما: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ، فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب (وهو جريد من النخل) وصدور الرجال، ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها، وهي قوله: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -"الذي جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادته شهادة رجلين. وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما."
(ترتيب الآيات والسور)
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران، وفيه حجة لمن يقول إن ترتيب السور اجتهاد وليس بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو قول جمهور العلماء، واختاره القاضي الباقلاني قال: وترتيب السور ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس.
قال ابن بطال: لا نعلم أحدا قال بوجوب ترتيب السور في القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة، والحج قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكوسا، فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر مبالغة في حفظها، وتذليلا للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن، فهو حرام فيه.
أما عن سبب نزول بعض الآيات والسور قبل بعض؛ فقد أشارت عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - إلى شيء من الحكمة الإلهية في أسبقية النزول، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك، أنزلت الأحكام، ولهذا قالت:"ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندعها"وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف.
أما عن ترتيب الآيات في كل سورة؛ فلا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها - صلى الله عليه وسلم.