فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 525

ثم ذهب متوجها من المشرق، قاصدًا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، ووجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قولًا لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية، ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقّههم، وراجعهم، وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج -وهما أمتان عظيمتان من بني آدم- فقالوا: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} أي أُجرة {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} . ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، وكان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ} أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم {أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} أي: مانعًا من عبورهم عليكم. {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ} أي: قطع الحديد، فأعطوه ذلك فوضعها. {حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ} أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد {قَالَ انْفُخُوا} النار أي: أوقدوها إيقادًا عظيمًا، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد، فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس، {قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} أي: نحاسًا مذابًا، فأفرغه على الردم الذي بناه من قطع الحديد، فاستحكم السد استحكامًا هائلًا وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت