الآفات، مع ما يصدر منهم من النكد والعداوات، والأخلاق السيئات، والحقد على ما عرضت من حظوظهم منك للفوات، وهجرانهم إياك عند قلة المال، وتحولهم عن ودك عند تغيِّر الأحوال، وأعظم من ذلك فرارهم منك في المآل، ومحاسبتهم إياك على مثاقيل الذر في موقف السؤال، حتى يود كل واحد منهم لو نجا، وحملك ما عليه من الذنوب والأثقال.
ـ أم كيف يصدك ما هو في معرض الذهاب والزوال، ينفر عنك عند فقده الأخلاء وتتفرق العيال، ويهجرك كل صديق كان يكثر لك الوصال، ثم يوم القيامة تسأل عنه من أين اكتسبت،
وفيم أنفقت؟ ويا له من سؤال، في يوم تشيب فيه الأطفال، وتعظم فيه الأهوال وتكثر فيه الزحام ويشتد الخصام وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها من هول ذلك المقام ويعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ويحاسب فيه الأغنياء على النقير والقطمير، والخطير والحقير، والناقص والتمام، ويسبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة بخمس مائة عام، فيأكلون ويشربون ويتنعمون في دار السلام، وأنت أيها الغني محبوس عنهم بسبب مالك، تخشى أن يؤمر بك إلى مالك.
أفتحزن على فراق ما إن قل أكثر همك وعناك، أو كثر فأغناك وأطغاك وإن مت وتركته وراءك أرداك، وبين يديك موقف الحساب عليه وما أدراك، وهب أن لك الدنيا بحذافيرها، أليس إلى الفنا مصيرها، ولا بد من فراقك لها، وإن ركنت إلى غرورها.
ـ جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي هريرة - رضي الله عنه:"ألا أريك الدنيا جميعًا بما فيها، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي واديًا من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رؤوس الناس، وعذرات وخرق بالية وعظام البهائم، قال: أبو هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص حرصكم، وتأمل آمالكم، ثم هي اليوم تساقط عظام بلا جلد، ثم هي صائرة رمادًا رميدًا، وهذه العذرات ألوان أطعمنهم، اكتسبوها من حيث اكتسبوها، فقذفوها في بطونهم، فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم، ثم أصبحت والرياح تصفقها، وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن كان باكيا على الدنيا فليبك، قال: فما برحنا حتى اشتد بكاؤنا".