فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 349

وإن تذكرت ولدك الكريم وحنوت عليه حنو الأب الشفيق الرحيم، فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} ، وتا الله لااللهُ أرحم بالولد من أبيه وأمه، وأخيه وعمه، وكيف لا وهو قد رباه قبلهم بثدي رحمه، في ظلمات الأحشاء، وقلبه بيد لطفه ورأفته في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء، فأين كانت شفقتك عليه إذ ذاك، وحنوك وبعدك عنه ودنوك، وكيف يقعدك عن دار النعيم، وجوار الرب الكريم، ولد إن كان صغيرا فأنت به مهموم، أو كبيرا

فأنت به مغموم، أو صحيحا فأنت عليه خائف، أو سقيما فقلبك لضعفه واجف، إن أدبته غضب وشرد، أو نصحته حرد وحقد، مع ما تتوقعه من العقوق المعتاد، من كثير من الأولاد، إن أقدمت جننك، وإن سمحت بخلك، وإن زهدت رغبك، عظمت به الفتنة، وأنت تعدها منة، وعم به البلاء، وأنت تراه من النعماء، تود سروره بهمك، وفرحه بحزنك، وربحه بخسرانك، وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك، تتكلف من أجله ما لا تطيق، وتدخل بسببه في كل مضيق، ألقه يا هذا عن بالك إلى من خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه، أسلمت إلى الله تدبيره في الملك والملكوت، ولا تسلم إليه تدبير ر ولدك بعدما تموت، وهل إليك من تدبيره قليل أو كثير: {وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ، والله لا تملك له ولا لنفسك نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرًا، ولا في رزقه نقيرًا، وقد تفترسك المنية بغتة، فتمسي في قبرك صريعًا وبعملك أسيرًا، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيمًا، ويقسم مالك وارثك عدوًا كان أو رحيمًا، ويفترق عيالك ظاعنًا ومقيمًا، وتقول يا ليتني كنت مع الشهداء فأفوز فوزًا عظيمًا، فيقال لك: هيهات هيهات، فات ما فات، وعظمت الحسرات، وخلوت بما قدمت من حسنات أو سيئات، ألا واسمع قول الله العزيز الغفور، محذرًا لك ما أنت فيه من الغرور: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ} ، هذا وإن كان ولدك من السعداء، فستجمع بينك وبينه الجنان، وإن كان من الأشقياء، فليكن من الآن، لا يجتمع أهل الجنة مع أهل النار، ولا الأخيار مع الأشرار، ولعل الله يرزقك الشهادة فتشفع فيه، وتكون بفراقك له ساعيًا في أن تنجيه، احرص على ما ينجيك من العذاب، واجهد فيه، فغدًا: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ - وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ - وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ} إن هذا لهو البيان العظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت