ـ وإن قلت: يشق على فراق الأخ والقريب، والصديق والحبيب، فكأنك بالقيامة وقد قامت على الخلق أجمعين: {الاخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} ، فإن كانت الصداقة لله - عز وجل -، فستجمع بينكما عليون، في نعيم أنتم فيه خالدون، وإن كانت الصحبة لغير اللّه، فالفراق الفراق، قبل أن يحشر الرفاق مع الرفاق، لأن المرء في الآخرة مع محبوبه، لمشاركته إياه في مطلوبه،
فإن كان من الأتقياء نفعه أخاه، وإن كان من الأشقياء، ضره وأراده، مع ما يتوقع في هذه الدار من الأقرباء والأصدقاء من الجفاء، والصد وقلة الوفاء، وكثرة الكدر وعدم الصفاء، وتغيّرهم لديك، وتلونهم عليك، وإساءتهم إليك، وهجرهم إياك، عند فوات الأغراض، وما تَجُنُّهُ قلوبهم من العلل والأمراض، إن وقعت في شدة تخلوا عنك، أو واقعت زلة تبرؤوا منك، إخوان السراء وأعداء الضراء، صداقتهم مقرونة بالغنا، وصحبتهم مشحونة بالعناء إن قل مالك مَلُّوك، وإن حال حالُك، فما أخوك أخوك وإن شككت في شيء من هذا البيان، فسيظهر لك يقينا عند الامتحان، وإن ظفرت يدك منهم، بأخ من إخوان الصفا! وأين ذاك، أو خِل من خِلّان الوفا، وما أراك، فأنتما غدا كما قال أصدق القائلين: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} ، ولا يقعدك يا هذا عن الجهاد حبيب أو قريب، فربما افترقتما قبل المغيب، ففاتك الثواب العظيم، وبان عنك الصديق الحميم، وحرمت ما ترومه من الدرجات، وندمت فلم يغنك الندم على ما فات.
ـ وفي الحديث:"إن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يا محمد إن الله - عز وجل - يقول لك: عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به".
فانظر ما اشتملت عليه هذه الكلمات اليسيرة، من ذكر الموت وفراق الأحبة، والجزاء على الأعمال أبعد هذا الإنذار إنذار {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} .
ـ وإن قلت: يقعدني منصبي وجاهي الرفيع، وعزي وحجابي المنيع، فليت شعري كم فارق منصبك، محبا له إلى أن وصل إليك، وكم زال ظله من مغبط نفسه به إلى أن ظلل عليك، وسيبين عنك كما عنهم بان، وكأنك بذلك وقد كان، فإذا أنت لفراقه ثكلان، وقلبك مغمور بالحسد، وصدرك معمور بالأحزان، فلم يدم لك ما أنت فيه من المنصب والجاه، ولم تفز بما أنت طالبه من أسباب النجاة، وإن ِلآخِرَ من يخرج من النار، ويدخل بعد الداخلين، مثل ملك أعظم من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله