معه أجمعين، فما ظنك بمن يكون مع السابقين الأولين، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، مع ما لا يخفى عليك مما في المنصب، من النصب والتعب وشر العاقبة وسوء المنقلب، وما تكسب به من كثرة الأعداء والحساد، وما اشتملت عليه بواطنهم من الضغائن
والأحقاد، وشماتتهم بك عند زواله، وتلهفك حزنا على ما فات من إقباله، وزوال أكثر حشمك وخدمك، وإعراض من كان يسر بتقبيل قدمك.
ـ وقد روي:"إن في الجنة يأتي الملك الكريم، بمنشور من الرب العظيم، فيه مكتوب من الحي الذي لا يموت، إلى الحي الذي لا يموت، يا عبدي إني أقول للشيء: كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون".
ـ وفي الحديث:"إن أدق أهل الجنة منزلة من يقف على رأسه خمسة عشر ألف خادم وإن أدق لؤلؤة على رأس أحدهم لتضيء ما بين المشرق والمغرب".
ـ وروى الترمذي وابن حبان في صحيحه:"أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء، واسمع قول العزيز الغفار: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ - سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} ، تالله هذا ما تقر به العيون، ولمثل هذا فليعمل العاملون."
ـ وإن قلت: يشق علي فراق قصري وظله، وبنائه المشيد وعلو محله، وحشمي فيه وخدمي، وسروري ونعمي، فليت شعري هل هو إلا بيت من طين وحجر وتراب، ومدر وحديد وخشب، وجريد وقصب، إن لم يكنس كثرت فيه القمامة، وإن لم يسرج فما أشد ظلامه، وإن لم يتعاهد بالبناء فما أسرع انهدامه، وإن تعاهدته فمآله إلى الخراب، وعن قليل يصير كالتراب، يتفرق عنه السكان، وتنتقل عنه القُطَّان، ويعفو أثره ويندرس خبره، ويمحى رسمه، ويُنسى اسمه.
ـ وقد روي: أن الله - عز وجل - لما أهبط آدم - عليه السلام - إلى الأرض قال:"ابن للخراب ولد للفناء".