فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 349

ـ وفي الخبر: إن لله ملكًا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب.

استبدل أيها المغرور، قصرك مع سرعة فنائه، بدار باقية قصورها عالية. وأنوارها زاهية، وأنهارها جارية، وقطوفها دانية، وأفراحها متوالية.

ـ إن سألت عن بنائها، فلبنة فضة، ولبنة ذهب، ولا تعب فيها، كلا ولا نصب، وإن سألت عن ترابها، فالمسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها، فاللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن أنهارها، فأنهار من لبن، وأنهارُُ من عسل، ونهر الكوثر، وإن سألت عن قصورها، فالقصر من لؤلؤة مجوفة، طولها سبعون ميلًا في الهواء، أو من زمردة خضراء، باهرة السنا، أو ياقوتة حمراء، عالية البناء، وللمؤمن في كل زاوية من زواياها أهل وخدم، لا يبصر بعضهم بعضًا لسعة الفناء، وإن سألت عن فروشها فمن استبرق بطائنها، فما ظنك بظهائرها، وهي مرفوعة بين الفراشين أربعين سنة، وليس عليها نوم ولا سنة، بل هم عليها متكئون مقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وإن سألت عن أكلها، فموائدها موضوعة، وأكلها على الدوام، وثمارها لا ممنوعة ولا مقطوعة لطول المقام، بل فاكهة نضيجة، مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، ويسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، لا يتغوط أهلها، ولا يبولون، ولا يبصقون، ولا يمتخطون، أكلهم يرشح من جلودهم كالمسك ريحًا، ولونًا كالجمان، فإذا البطن قد ضمر، كما كان، وإن سألت عن خدمها، فالولدان المخلدون، قال تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا - وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا - عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا - إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا} ، وبالجملة فكل ما ذكرت لك، هو كما جاء في الخبر، وإلا ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن سألت عن مدة بقائهم في هذا النعيم العظيم، والمقام الكريم الجسيم، فهم أبدا فيه خالدون، أحياء لا يموتون، شباب لا يهرمون، أصحاء لا يسقمون، فرحون لا يحزنون، راضون لا يسخطون، من خوف القطيعة والطرد أبدًا آمنين، في مقامٍ أمين: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} فقس بعقلك ما بين هذا الملك العظيم الخطير، وبين قصرك ذي العمر القصير، والقدر اليسير، وانظر إذا فارقته بالشهادة إلى ماذا تصير، إن المقام فيما أنت فيه لغرور، ولا يُنَبِّئُكَ مثل خبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت