عذراء، قد طهرت من الحيض والنفاس، وكرمت منها الأنواع والأجناس، وزال اعوجاجها، وزاد ابتهاجها، وعظمت أنوارها، وجل مقدارها، وفضلت على الحور العين في الجمال، والأنوار، كفضلهن عليها في هذه الدار، فاعرض عنها اليوم لله فسيعوضك الله عنها، وإن كانت من أهل الجنة فلابد لك منها، ولا يلهينك يا هذا عن دار القرار، الاغترار بشيء من زخرف هذه الدار، فوالله ما هي بدار مقام، ولا محل اجتماع والتئام، دار إن أضحكت اليوم أبكت غدا، وإن سرت أعقب سرورها الردى، وإن جلَّت فيها النعم جميعا، حلَّت فيها النقم سريعا، إن أخصبت أجدبت، وإن جمعت فرَّقت، وإن ضمت شتت، وإن نقصت تغصت، وإن أغنت عنت وإن زادت أبادت، وإن عقرت دمرت، وإن أسفرت أدبرت، وإن راقت أراقت، وإن صافت حافت، وإن عمَّت بنوالها غمَّت بوبالها، وإن جادت بوصالها جاءت بفصالها، قربها بعيد، وحبيبها طريد، شرابها سراب، وعذبها عذاب، دار الهموم والأحزان، والغموم والأشجان، والبين والفراق، والشقاء والشقاق، والوصب والنصب، والمشقة والتعب، كثيرها قليل، وعزيزها ذليل، وغنيها فقير، وجليلها حقير، غزيرة الآفات، كثيرة الحسرات، قليلة الصفا، عديمة الوفا، لا ثقة بعهودها، ولا وفت لوعودها، محبها تعبان، وعاشقها ولهان، والواثق بها خجلان، قد سترت معايبها، وكتمت مصائبها، وأخفت نوائبها وخدعت بأباطيلها، وغرت ببراطيلها، ونصبت شباكها، ووضعت أشراكها وبهرجت زيفها، وجردت سيفها، وأبدت ملامحها، وسترت قبائحها، ونادت الوصال الوصال أيها الرجال، فمن رام وصالها، وقع في حبالها، وبدا له سوء حالها، وعظم نكالها، ووقع في أسرها، لجهله بشرها، وحاق به مكرها، حيث لم يتبصر في أمرها فعضّ يديه ندما، وبكى بعد الدمع دما، وأسلمه ما طلب، إلى سوء المنقلب، وجهد في الفرار فما أمكنه الهرب، فتيقظ لنفسك، يا هذا قبل الهلاك. وأطلق نفسك من أسرها قبل أن يعسر الفكاك وانهض على قدم التوفيق والسعادة، عسى الله أن يرزقك من فضله الشهادة، ولا يقعدك عن هذا الثواب، سبب من الأسباب، فذو الحزم السديد، من جرد العزم الشديد، وذو الرأي المصيب من كان له في الجهاد نصيب، ومن أخلد إلى الكسل، وغرَّه الأمل، زلت منه القدم، وندم حيث لا يغني الندم، وقرع السن على ما فرط وفات، إذا شاهد الشهداء في أعلى الغرفات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وحسبنا الله ونعم الوكيل.