والمفاصلة .. وعند استقراره في المدينة سَلًَّ السيف على قومه وأرغم أنوفهم، وهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - هل قالوا نبقى في المدينة ونحافظ على مكتسبات الدعوة وقد جاهدنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟! بل إنهم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - دخلوا أعظم دولتين في ذلك الوقت، ووصلوا إلى حدود الصين وأطراف فرنسا .. فأين نحن منهم إذا كُنَّا نَدَّعي أننا أتباع السلف الصالح؟! أم أننا نتابعهم في كل شيء إلا في هذا الأمر؟! والله تعالى يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21) سورة الأحزاب، فالذين يرجون الله واليوم الآخر وما فيه من نعيم للمتقين هم الذين يضحَون بكل شيء في سبيل الله والجهاد في سبيله, ويتحملون صنوف الأذى لتبليغ دين الله وإخراج العباد من عبادة غير الله إلى عبادة الله وحده، وأعظم مكسب للدعوة إنقاذ الناس من عذاب الله، وفي الحديث: (يأتي النبي ومعه الرجلان ويأتي النبي وليس معه أحد) ، أليس إنقاذ هذين الرجلين من النار مكسب؟ مع أن الداعي نبي وليس شخص عادي .. أي أنه مؤيد بالوحي, ولم يسلم غيرهما من أمة ذلك النبي المذكور في الحديث ..
ثم إن مكتسبات الدعوة ليست بأهم من الصدع بالتوحيد، فأي فائدة في شريط أو كتيب أو مجلة لا تذكر توحيد الله خالصًا؟ وإن دعت إليه فمن طرف خفي، وتنظيرًا لا تطبيقًا!!
ثم إني سائلك بالله هل مكتسبات الدعوة التي تتحدث عنها في ازدياد أم في تناقص؟ والواقع يشهد كل يوم انتكاسة جديدة لمكتسبات الدعوة.
وقلت: نمنع الخير لأمر لا ندري ما عاقبته!!
أقول إن الله لما أمر بالجهاد والإعداد ومواجهة طواغيت الأرض، يعلم النتيجة مسبقًا وما ستئول إليه الأحداث، ونحن وعدنا بالنصر إذا قمنا بأمر الله ..
أما النتيجة فبيد الله ينصر من يشاء ويذل من يشاء، والله يعلم أن في الجهاد ومواجهه الطواغيت، القتل والدمار والأسر والسجن والتعذيب، والأمر بيده وحده، ونحن لسنا مطالبون بالنتيجة بل
مأمورون بالقيام بما نستطيع، والله - عز وجل - يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} (46) سورة يونس، وهؤلاء أصحاب الأخدود أحرقوا جميعًا بالنار لما آمنوا .. وجعل الله ذلك العذاب فوزًا كبيرًا .. فنحن علينا القيام بالأمر والله المتصرف بملكه .. ثم نحن موعودون بإحدى الحسنيين: إما النصر أو الشهادة.
قال الشيخ: يبدوا أنك متحمس، ولا تدرك الأمور جيدًا.