فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 349

ورقة بن نوفل للنبي - صلى الله عليه وسلم: (ما جاء رجل بمثل ما جئت به إلا عودي) ، فلا يمكن أن يسير أولياء الله الداعين إلى الخير والهدى مع أهل الردة والفجور والفسق والزندقة بحال, إلا أن يبيع أهل الخير دينهم لهؤلاء، ويميعوا قضية الولاء والبراء، ويرون التعايش مع أمم الكفر النصرانية، وهذا هو الذي يجعل الدعوة تسير بخط متوازي مع الأحداث، حيث لا ولاء ولا براء ولا جهاد ولا نبذ للمعبودات من دون الله ولا مفاصلة مع الطواغيت، وهذا لا أعتقد يقوله مسلم إلا من أعمى الله بصيرته.

وأما قولك: الابتعاد عن المواجهة، إذًا ما هي فائدة القرآن إذا لم يكن هناك صدع بالحق وتسفيهًا لأحلام الطواغيت، وعيب آلهتهم، وبيان ما هم فيه من ضلال، والله - عز وجل - يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (94) سورة الحجر، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمر أن يصدع بالتوحيد وأن يأمر قومه بنبذ عبادة الأصنام وعبادة الله وحده، ولماذا أُُُخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين من ديارهم إلا بسبب المواجهة والصدع بالتوحيد، فلم يرضى منهم الكفار ذلك ولن يرضى الطواغيت إلا بالطرد والسجن والقتل لكل من عاب آلهتهم وسفه أحلامهم، ولست أقصد هنا المواجهة المسلحة فهذه لها شروطها، ولكن بيان العقيدة الصحيحة في الأحداث, وعدم الخوف ودس الرؤوس في التراب, وتحمل الأذى في سبيل الله والصدع بالحق، لأن السكوت رضًا بالباطل وتلبيس على الأمة في دينها، والعلماء هم أولى من يصدع بالحق لأنهم هم ورثة الأنبياء.

وأما قولك: والمحافظة على مكتسبات الدعوة، والله إني لأعجب، كأن أهل العلم لم يقرؤوا القرآن، ولم يعلموا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العهد المكي وكيف كان يصدع بالتوحيد، وبيان بطلان عبادة الأصنام، وغالب ما نزل في العهد المكي من القرآن الكريم كان حول العقيدة والصبر على الدعوة وتحمل الأذى في سبيل الله، وبيان سير الأنبياء في الصدع بالحق، وقد تكررت قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون لبيان منهج الطغاة في التعامل مع الدعاة والمصلحين .. فكيف نترك طريقه الأنبياء ونحكم عقولنا؟! ثم ألم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلم منكم في كيفية مواجهة الأحداث التي مرت عليه؟! وهو

يقدر على أن يجعل له تحت ظلال الكعبة حلقة علم, ويغض الطرف عن الأصنام حول الكعبة، ويدعو صناديد قريش الصادين عن ذكر الله والقامعين للصالحين والمؤذين للمؤمنين بالحكمة وتغليب جانب المصلحة والمحافظة على مكتسبات الدعوة ولم يضطر إلى المواجهة, حتى ضرب وجهه ووضع سلى الجزور على ظهره, وخنق بردائه حتى كادت تزهق نفسه .. وعذب أصحابه بصنوف العذاب والأذى، وعندما وقفت قوافل الداخلين في الإسلام أُمر من ربه بالهجرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت