ـ وقول امرأة ثابت بن قيس (ولكني أكره الكفر في الإسلام) رواه البخاري (5273) عن ابن عباس - رضي الله عنه -، لا يخالف هذه القاعدة ولا ينقض الأصل المقرر في هذا الباب فقد قالت، (في الإسلام) وهذه قرينة بينة على أن المراد بالكفر هنا مادون الأكبر، ولا يصح أن يقال عن الكفر الأكبر في الإسلام ولو أطلقت الكفر مُعَرفًا باللام دون تقييده لتبادر إلى الأذهان حقيقة اللفظ وما وضع له فنفت هذا التوهم بتقييدها وهذا واضح للمتأمل.
ـ وقد قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (13/ 119) (من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدَّمها عليه من فعل هذا كفر بإجماع المسلمين) ، وهذا حق لا خلاف فيه، وأعظم منه وأولى بنقل الإجماع على كفره من صدَّ عن شرع الله وبدَّل أحكام الدين وفرض على قومه تشريعات يتحاكمون إليها في أموالهم ودمائهم وأعراضهم زيادة على هذا حماية هذه التشريعات وتفريغ الجهود والطاقات في تقنينها والمجادلة عنها.
ـ وقول بعض المعاصرين عن هذا الإجماع الذي نقله ابن كثير رحمه الله بأنه (خاص بملوك التتار ومن تلبس بمثل ما تلبسوا به من نواقض الإسلام والتي منها الجحود والاستحلال للحكم بغير ما أنزل الرحمن) هو مجرد ظن لم تسانده حقائق علمية ولا حجج قائمة، على أن الحافظ لم يتفرد بقوله ولا بنقله للإجماع. فخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين يذكرون مثل هذا وأعظم، وكيف لا يحكم بكفر من عطل الشريعة ونصب نفسه محللًا محرّمًا محسنًا مقبحًا وجعل محاكم قانونية لها المرجعية في الحكم والقضاء ولا يمكن مُساءَلتها أو التعقيب والاعتراض على أحكامها، وحملُ الكاتب كفر التتار على الجحود والاستحلال ليس له وجه سوى تأثره بأهل الإرجاء من جعل مناط الكفر هو الاستحلال أو الجحود وهذا باطل في الشرع والعقل فالاستحلال كفر ولو لم يكن معه حكم بغير ما أنزل الله والآية صريحة في أنّ مناط الكفر هو الامتناع عن الحكم بما أنزل الله.
ـ وكثير من المتأخرين متأثرون بمذاهب أهل الإرجاء الذين يقولون كل من أتى بمكفر من قول أو عمل فإنه كافر ولكنّ كفره ليس لذات العمل لكنه متضمن للكفر ودلالة على انتفاء التصديق بالقلب