العهد الأول وحتى يومنا هذا حتى الحروب الحديثة تعتمد اعتمادًا ضخمًا على مثل تلك الخطط، وما كان فعل خالد رضي الله عنه في مؤتة إلا أعظم خدعة حربية وأفضل انسحاب عرفه التاريخ يوم أن سحب جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مجاهد من بين مائة ألف مقاتل يفوقونهم عدة وعتادًا، فنظم خالد الانسحاب فاختار كتائب من الفرسان وطلب منها المرابطة خارج مؤتة فإذا أصبح الصبح والتحم الناس جاء بعضها إثر بعض مرتفعة أصواتهم بالتكبير وعدو الخيل يثير النقع ثم تشترك في المعركة كما أبدل مواقع فرق الجيش إذ جعل الميمنة مكان الميسرة والساقة بدل المقدمة، كل ذلك ليوهم الروم أن جيش المسلمين جاءه مدد وقوات دعم، وفعلًا خاف الروم مغبة الأمر لما رأوا تتالي كتائب فرسان المسلمين وكأنها فرق كبيرة
حسبما يظهر من الغبار المرتفع والأصوات المتعالية وزاد خوف الروم وأيقنوا أن المدد قد وصل واعتقدوا أنهم لا قبل لهم بقوات إضافية كبيرة وقد أنهكتهم قوات صغيرة فكيف لهم بجموع كثيرة لم تعرف التعب، ولما فصل الظلام بين الجيشين انسحب خالد رضي الله عنه على شكل كتائب يحمي بعضها بعضًا منعًا لملاحقة الروم لها، هذا نموذج واحد من نماذجنا العظيمة التي شكلت فيها الخدعة الحربية نصرًا بحد ذاته والتاريخ مليء بالعبر والدروس ولكن من يعي ويدرس تاريخنا العظيم؟.
2 -قبل تحرك الإخوة للمسيرة تم توزيع المسؤوليات والمهام، وأهمية ذلك لا تخفى على أحد، ولكن لا بد أن ننبه على أن توزيع المهام والتأمير على الجيش له ضوابط ومقومات، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما روى أبو داود (أنزلوا الناس منازلهم) فتأمير الأمراء ليس على حسب الأقدمية أو السن أو العلم أو التقوى أو الشجاعة بل لكل وضع ما يناسبه فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في معركة ذات السلاسل على كبار المهاجرين والأنصار وكان فيهم أبوبكر الصديق رضي الله عنه وكان عمرو رضي الله عنه حديث عهد بإسلام ولم يمض على إسلامه إلا أربعة أشهر بل إن أبا عبيدة لما وصل بمدد إلى جيش عمرو رفض أن يكون الأمير ودخل تحت إمرة عمرو، وكذلك أمّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة وهو ابن الثامنة عشر عامًا على جيش فيه وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم فلم يكن العمر ضابطًا في التأمير، وكذلك رفض عمر رضي الله عنه تولية البراء بن مالك لأنه كان شجاعًا وقال"لا تولوا البراء فإنه مهلكة"، والولايات عمومًا يختار لها القوي التقي ولكن ربما تطرأ بعض الأمور يحتاج فيها الأمير إلى تولية قليل العلم والدين نظرًا لمعرفته بالأرض أو لشجاعته أو لدهائه، فمن قال إن