ذلك غرابة فقد عشنا قصة أبي خبيب المدني رحمه الله عندما كان في أفغانستان وقد دخلت الطلقة من عينه وخرجت من قفا رأسه وأخرجت معها أكثر من أربعين جرامًا من مخه، ولما أسعفه الأطباء قالوا إن موته متيقن والمسألة مسألة وقت إلا أن يشاء الله، ولكن الله شاء له الحياة ومع ذلك لم يمت الأخ وبقي حيًا يرزق وعافاه الله وعاد بعد شفاءه إلى الجبهة ليقاتل الروس من جديد، فقاتل في أفغانستان وانتهت القضية الأفغانية وتوجه بعدها إلى البوسنة ورزقه الله الشهادة هناك نسأل الله أن يتقبله، فمثل هذه القصص والأحداث ربما يستبعد العقل وقوعها إذا سمع بها لأول وهلة ولكن من رأى مثل تلك والمواقف يذهل ويعلم أن الأرواح بيد الله، فمن كتب الله موته في يوم مات على فراشه ومن كتب الله له الحياة لم يمت ولو كان يخوض المعارك طوال حياته، فهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه يقود جيوش المسلمين في فتح العراق والشام وحروب الردة ومؤتة وبعد كل هذا يموت على فراشه وهو يقول(أموت كما يموت الجمل على فراشه لا نامت أعين
الجبناء)ومات وفي جسمه ثمانين ضربة ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، فالأرواح بيد الله وما أعظم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله ( ... واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف) فلو اجتمعت جيوش العالم بكل أسلحتها وعتادها الحربي وسلاحها النووي لقتل رجل واحد لم يأذن الله له بالموت لم يقتلوه ومتى كانت هذه العقيدة تملأ قلوبنا فإن النصر سيكون حليفنا بإذن الله، لأن الوهن سينزع من قلوبنا والوهن هو حب الدنيا وكراهية الموت، ولكن أنبه على أمر مهم في ذكر بعض الكرامات وهي أن لا يكثر الأخوة من ذكر الكرامات ويكون ديدنهم ذلك لا تكذيبًا بالكرامات أو تقليلًا من شأنها ولكن من باب ماروى البخاري عن علي رضي الله عنه حينما (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) فالإسهاب من ذكر الكرامات ربما يسبب استهزاء بعض ضعاف النفوس بمثل تلك الكرامات وتكذيبها واستحقار الدين وأهله، وقد رأينا وقرأنا مثل ذلك، لا سيما أن الكرامات تحصل لتثبيت من وقعت في حقهم ونحن ولله الحمد إذا حصلت لنا كرامة فإننا نفرح بها ونشكر الله عليها ونزداد إيمانًا مع إيماننا فالمقصود منها حصل وسرت بها نفوسنا، وتصديق الناس لها أمر ثانوي إذا جاء عرضًا فلا مانع منه وإن لم يحدث فلم نخسر شيئًا، وليعلم الجميع أننا لم نذكر تلك الكرامات منفردة ولولا أنها أتت في سياق قصة ما ذكرناها لنكف عن أنفسنا ألسن السفهاء.