فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 349

المشاركة في المعاناة وتحمل ما ينالهم في سبيل الله، وجعلهم دومًا على أهبة الاستعداد لنزول الابتلاء ليقفوا مساندين للداعية في محنته، وليثبتوا على الحق إذا نزل بهم البلاء، وهكذا يكونوا عونًا لولي أمرهم على الصبر والثبات لا عاملًا مخذلًا ومثبطًا، ولك أن تتخيل رجلين نزل بهما البلاء، أحدهما يقول له أبوه أو أمه أو زوجته أو ابنه - وهو تحت سياط العذاب، أو في السجن أو على فراش المرض ... إلخ - يقول له (اثبت واصبر واطمئن فنحن بخير وندعو لك) وأما الآخر

فيقول له: (تنكدت حياتنا وساءت معيشتنا وليس لنا أحد ينفق علينا) ، لا شك أن فرص الثبات والتخاذل متباينة بين هذين الرجلين.

وها هنا قصتان لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، كلتاهما لما هاجر أبوها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

• الأولى: لما أتاها والد أبي بكر - رضي الله عنه - وهو شيخ كبير أعمى وقال لها: والله إني لأراه قد فجعكم بماله ونفسه، فقالت أسماء: كلا كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، فأخذت حجارة فوضعتها في كوة كان أبو بكر يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبًا وأخذت بيد جدها فقالت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: لا بأس إن كان قد ترك هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت أسماء وهي تروي القصة: والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت هذا الشيخ بذلك.

• الثانية: لما جاءها نفر من قريش فيهم أبو جهل سألوها عن والدها فقالت: لا أدري، فضربها أبو جهل بلطمة طرحت قرطها.

ومن هنا تتبين أهمية تربية الأهل والأولاد على المشاركة وتحمل البلاء إذا نزل بهم أو بوليهم، بحيث يكونون عونًا له على ما يرضي الله تعالى، وثبات الأهل ومساندتهم من أسباب الثبات والصمود، فعن الهيثم بن خلف الدوري أن محمدًا بن سويد الطحان حدثه قال:"كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي فنكلمه؟ قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، ثم قال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي فأوصهم، فظننت أنه ذهب يتكفن ويتحنط ثم جاء فقال: ذهبت إليهن فبكين. وجاء كتاب ابني عاصم من واسط: (يا أبانا إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله ولا تجبه، فوالله لأن يأتينا نعيك أحب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت