وفي الصحيحين أيضًا عن مصعب بن سعد: قال: كان سعد يأمرنا بخمس ويذكرهن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يأمر بهن: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا - يعني فتنة الدجال - وأعوذ بك من عذاب القبر) .
وفي بعض طرق البخاري عن سعد - رضي الله عنه: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا هؤلاء الكلمات، كما تعلم الكتابة) ، وفي بعضها (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة) .
وفي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه، قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر) .
فصل
اعلم أن الجبن هو ضد الشجاعة، والشجاعة عبارة عن ثبات القلب على عزمه، فيما يتوجه إليه مما يراد منه، وهو الأصل في اكتساب كل كمال، والفوز بكل مقام عال ٍ، ولا يمكن ثبات القلب إلا مع سلامة العقل والمزاج، لاعتدال الطبع فإن ضعف القلب لقصور في القوة وتفريط، كان ذلك سبب الجبن، وإن أفرط في القوة، وخرج عن الاعتدال كان ذلك سبب التهور، وكلاهما مذموم، والمطلوب اعتدال القلب بين التفريط والإفراط، وذلك الاعتدال وهو سبب الشجاعة ومنشؤها ويلزم الجبان أن يعالج الجبن بإزالته علته وعلته:
إما جهل فيزول بالتجربة، وإما ضعف فيزول بارتكاب الفعل المخوف مرة بعد أخرى، حتى يصير ذلك له عادة وطبعًا، فإننا وجدنا المبتدئ في المناظرة والإمامة والخطابة والوعظ، والوقوف بين يدي الملوك - مثلًا - قد تجبن نفسه، ويخور طبعه، ويتلجلج لسانه، وما ذاك إلا لضعف قلبه، ومواجهة ما لم يتعوده، فإذا تكرر ذلك منه مرات، فارقه الضعف، وصار الإقدام على ذلك الفعل ضروريًا له غير قابل للزوال.
إذ الأخلاق الطبيعية قابلة للتغيير والتبديل عند الجمهور وحسبك دليلًا على ذلك، ما تراه من إقدام صبي الحوا على مسك الحية العظيمة، المهولة المنظر من غير خوف ولا جزع، وفرار البطل