الشجيع وخوفه منها، وعدم إقدامه على مسكها، وما ذاك إلا لكثرة ملابسة الصبي لهذا الفعل، وتدريج معلمه له في ممارسة نفور النفس منها حتى ترجع إلى الألف بها، والإقدام عليها، وعدم خوفه منها، وقد يخاف - مثلًا - من الضفدع وشبهها لعدم ذلك.
كذلك ما نشاهده من استئناس الوحوش والسباع ببني آدم، بانسلاخها عما جبلت عليه من النفور، والافتراس، وتجربة المستأنس بها / الذلول الجبان - طبعًا - كالكباش ونحوها على كسر أبناء جنسها وإقدامها عليه بالقهر والافتراس، وكذلك إيقاع الألفة بين المتعادين منها طبعًا كالهر والفأر، حتى لقد شاهدت مرارًا الفأر يركب على الهر وينزل، ويطلع مرات، لا يعدو الهر على الفأر ولا ينفر الفأر من الهر، وكذلك الهر يأتلف بالكلب مع نفوره منه - طبعًا - حتى رأيته يركب عليه وينزل ويطلع، وكل ذلك بالتعليم والتدريج في الإقدام، حتى ينعكس الطبع إلى ضده (ويتحول) عن جبلة وضعه، فالإنسان أولى بقبول التعليم، وممارسة الطباع وسرعة التحول في الأخلاق عن الحيوان، لأنه بجوهره قابل للخير والشر جميعًا، وهذا أمر لا ينكره من له ذوق سليم وطبع مستقيم.
واعلم أن قوة النفس والعزم الجازم بالظفر سبب للظفر كما قال علي رضي الله عنه لما قيل له: كيف كنت تصرع الأبطال؟ قال: كنت ألقى الرجل فأقدر أني أقتله، ويقدر هو أيضًا، أني أقتله فأكون أنا ونفسه عونًا عليه. ومن وصايا بعضهم: أشعروا قلوبكم في الحرب الجرأة، فإنها سبب الظفر. ومن كلام القدماء: من تهيب عدوه، فقد جهز إلى نفسه جيشًا.
وقد اتفق المتكلمون على خواص الحروف والطلسمات والعزائم، أن نجاحها وتأثيرها مع النساء والصبيان أكثر من الرجال، وأوسع انفعالًا، وما ذاك إلا لقوة نفوسهم وعزمهم الجازم بالتأثير، ولا بد - بخلاف الرجل العاقل - لأنه إما أن يكون غير معتقد لذلك، أو يعتقد ولكن لا يجوز في عقله عدم التأثير وتوقف الانفعال إما لعدم تجربته أو لتقدير فوات ما يجب من مناسبة ضرورية في
الوقت أو غيره، فافهم، وإذا نظرنا بعين الاعتبار، وجدنا من قتل لانهزامه، أكثر ممن أصيب بإقدامه، إذ الإقدام بقوة الاهتمام، والتجرد من تقديرات الأوهام سبب لنيل كل مرام كما قيل:
من راقب الناس مات غمًا ... وفاز باللذة الجسور