والهزيمة - كما قيل - سفرة من سفرات الموت، وهي مطمعة للعدو، ومخذلة للمنهزم، فلا ينال كل مطلوب، ولا يدفع كل مرهوب إلا بالشجاعة حتى لو هممت - مثلًا - أن تسمح لشخص بشيء من مالك، خار طبعك، ووهن قلبك لمفارقته، وعجزتك نفسك بتوقع الاحتياج إليه، كما قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُم بِالْفَحْشَاء} (268) سورة البقرة.
وقال - صلى الله عليه وسلم - (لا يخرج رجل شيئًا من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطانًا) رواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، زاد البيهقي في رواية (كلهم ينهى عنها) .
فأوجب وسواس الشيطان بها يساعده عليه الطبع، تردد الهمة بين العطاء والمنع، فإذا حققت عزمك، وقويت نفسك، وشددت همتك، وجزمت بالعطاء، ولا بد، قُهر ذلك العجز، وزال ذلك التردد، وأقدمت على العطاء، وبقدر زوال أثر ذلك العجز / يكون طيب النفس بالبذل، وسخاؤها بالعطاء ولهذا كان المتصدق سرًا أقوى المخلوقات وأشدها، كما روى الترمذي والبيهقي وغيرهما عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتكفأ فأرساها بالجبال فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال. فقالت: يا ربنا هل خلقت خلقًا أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من الحديد؟ قال: النار، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من النار؟ قال: الماء، قالوا فهل خلقت خلقًا أشد من الماء؟ قال: الريح، قالوا: فهل خلقت خلقًا أشد من الريح؟ قال: ابن آدم إذا تصدق بصدقة بيمينه فأخفاها من شماله) . هذا لفظ الترمذي.
فعلمنا بهذا الحديث أن من قدر على إخفاء الصدقة فهو أشد المخلوقات، وليس المراد شدة بدنه، وإنما المراد قوة قلبه وثباته على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، ولا يتمكن الإنسان من نيل مكرمه، ولا دفع كريهة إلا بالشجاعة المعبر عنها بقوة القلب.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك: فبقوة القلب يصاب امتثال الأوامر والانتهاء عن الزواجر، وبقوة القلب يصاب اكتساب الفضائل، وبقوة القلب ينتهي عن اتباع الهوى والتضمخ