فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 349

بقبح الرذائل، وبقوة القلب يصبر الجليس على أذى جليسه وجفاء الصاحب، وبقوة القلب تكتم الأسرار، ويدفع العار، وبقوة القلب تقتحم الأمور الصعاب، وبقوة القلب تتحمل أثقال المكاره، وبقوة القلب يصبر على أخلاق الرجال، وبقوة القلب تنفذ كل عزيمة أوجبها الحزم والعدل، وبقوة القلب تضحك الرجال في وجوه الرجال وقلوبهم مشحونة بالضغائن والأحقاد، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: (أنا لنكشر في وجوده أقوام، وإن قلوبنا لتلعنهم) وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إنا لنصافح أكفًا نرى قطعها) .

قال: واعلم أن الشجاعة عند اللقاء على ثلاثة أوجه:

-رجل إذا التقى الجمعان، وتزاحف الزحفان واكتحلت الأحداق بالأحداق برز من الصف إلى وسط المعترك يحمل ويكر وينادي: هل من مبارز؟

-والثاني: إذا اختلط القوم وصاروا جملة، ولم يدر أحد من أين يأتيه الموت، يكون رابط الجأش، ساكن القلب، حاضر اللب، لم يخامره الدهش ولا خالطته الحيرة، فيتقلب تقلب المالك لأمره القائم على نفسه.

-والثالث: إذا انهزم أصحابه يلزم الساقة، ويضرب في وجوه القوم ويحول بينهم وبين عدوهم، ويقوي قلوب أصحابه، ويرجي ضعيفهم، ويمدهم بالكلام الجميل، ويشجع نفوسهم فمن وقع أقامه، ومن وقف حمله، ومن سقط عن فرسه كشف عنه. حتى ييأس العدو منه، وهذا أحمدهم شجاعة, وعن هذا / قالوا (المقاتل خلف الفارين كالمستغفر وراء الغافلين)

ومن كرم الكريم الذب عن الحريم. وقالوا: لكل أحد يومان لا بد منهما، أحدهما: لا يعجل عليه، والآخر: لا يغفل عنه. فما للجبان وللفرار، انتهى.

واعلم أن الشجيع كل الشجيع من وهبه الله ملكة يقدر بها على قهر أعدى الأعداء له، وهو نفسه، كما قال - صلى الله عليه وسلم - (أعدى عدو نفسك التي بين جنبيك) . فمن ملك نفسه وصرفها حيث أوجب الشرع من إقدام وإحجام واجتناب وارتكاب وإقبال وإدبار، فذلك هو الشجيع لا من كان مصرًا على محاله، مرتكبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت