فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 349

لهواه وضلاله، لجوجًا فيما رام، صبورًا على التعب والنصب والآلام، كما كان ذلك من أخلاق الجاهلية الأولى فإن هذه من صفات الذئاب والحمير والخنازير، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

وفي رواية لابن حبان في هذا الحديث (ليس الشديد من غلب الناس، وإنما الشديد من غلب نفسه) .

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كرم المرء تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء فالجبان يفر عن أمه وأبيه، والجريء يقاتل عمن لا يبالي أن لا يؤوب إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف، والشهيد من احتسب نفسه. وفي رواية، قال (الشجاعة والجبن غرائز في الناس، فيلقى الرجل يقاتل عمن لا يعرف، وتلقى الرجل يفر عن أبيه) رواه البيهقي في السنن وابن عساكر، وقد روي مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومن هذا قول الشاعر:

يفر جبان القوم عن أم نفسه ... ويحمى شجاع القوم من لا يناسب

واعلم أن الإقدام لا يقدم أجلًا، وأن الجبن لا يبلغ أملًا بل هو سبب لفوات ما يرام وإعانة للعداء وللأخصام، ومزلة الأقدام في مداحض الحمام، ولهذا قالت العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، وهو شر خصال الرجل.

كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع) رواه ابن المبارك، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه عن حديث أبي هريرة.

ومعنى قوله جبن خالع: أي خالع لقلبه بشدة تمكنه منه واستيلائه عليه والجبن يرجع في الحقيقة إلى شك في القدر، وسوء ظن بالله، كما قال بعض الحكماء في وصيته: عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن الظن بالله. وهذا لا شك فيه لأن من علم يقينًا أن الأجل لا يزيد ولا ينقص، كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} (61) سورة النحل، لم يجبن ولم يفر إذ ليس من الموت جنة تقي إلا تأخير الأجل، ولهذا قيل لبعضهم: في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل متأخر وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس (يا غلام، إني أعلمك كلمات ... احفظ الله يحفظك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت