إذا فهمت ذلك، فتأمل هذه الألوهية التي أثبتها الله لنفسه، ونفاها عن محمد وجبريل وغيرهما أن يكون لهم مثقال حبة من خردل.
فاعلم أن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا: السر والولاية.
والإله معناه: الولي الذي فيه السر، وهو الذي يسمونه: الفقير والشيخ، وتسمية العامة: السيد، وأشباه ذلك، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم، ويرجوهم، ويستغيث بهم، ويجعلهم واسطة بينه وبين الله فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا أنهم وسائط، هم الذين يسميهم الأولون: الآلهة، والواسطة: هو الإله، فقول الرجل: لا إله إلا الله، إبطال للوسائط: وإذا أردت أن تعرف هذا معرفة تامة، فذلك بأمرين:
الأول: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقتلهم، ونهب أموالهم واستحل نساءهم، كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية، وهو أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا يحيي، ولا يميت، ولا يدبر الأمور إلا الله وحده، كما قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ} (31) سورة يونس.
وهذه مسألة عظيمة مهمة، وهي أن تعرف أن الكفار شاهدون بهذا كله، ومقرون بها، ومع هذا لم يدخلهم ذلك في الإسلام، ولم يحرم دماءهم ولا أموالهم، وكانوا أيضًا يتصدقون، ويحجون، ويعتمرون، ويتعبدون، ويتركون أشياء من المحرمات خوفًا من الله عز وجل.
ولكن الأمر الثاني: هو الذي كفرهم، وأحل دماءهم وأموالهم، وهو أنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية، وهو أنه لا يدعى ولا يرجى إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغاث بغيره، ولا يذبح
لغيره، ولا ينذر لغيره، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فمن استغاث بغيره فقد كفر، ومن ذبح لغيره فقد كفر، ومن نذر لغيره فقد كفر، وأشباه ذلك.