إذًا نقول: يأس الشيطان أن يعبد سوى الله في هذه الجزيرة، والشيطان لا يعلم الغيب كما هو معلوم وهو حريص على إغواء بني آدم {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] ، {لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلًا} [الإسراء: 62] توعد فهو قد يأس من نفسه ولم يُأَيِّسُهُ الله تعالى، لم يجعل اليأس الباري جل وعلا في نفس الشيطان إذ لو كان كذلك لاختلف الأمر، ولكن أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن الشيطان قد يأس، حينئذٍ اليأس مصدره من؟ الشيطان نفسه، وإذا كان كذلك لا يكون حكمًا على ما أراده الله تعالى أن الشرك سيقع في هذه الأمة، فوقع اليأس من الشيطان ولم يُأَيِّسُهُ الله تعالى، ولكن حكمة الله تأبى إلا أن يكون ذلك فوقع الشرك الأكبر، ولهذا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بوقت يسير ارتدت طائفة من العرب، أليس كذلك؟ قبل بزوغ الشرك آنذاك ارتدت طائفة من العرب كفروا بعد إسلامهم، ولا شك أن ذلك من عبادة الشيطان لأن عبادة الشيطان هي طاعته في ترك ما أوجبه الله تعالى، أو التَّلبّس بما نهى الله تعالى عنه، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [يس: 60] . وعبادة الشيطان طاعته فيما يأمر به إيجادًا أو تركًا، ثم النبي - صلى الله عليه وسلم - علَّق الحكم على وصفٍ فهو خاص، يعني يمكن جواب آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علّق الحكم على وصف فهو خاص لقوله: «أيس أن يعبده المصلون» . فحينئذٍ المصلون (أل) للكمال، فكل من تلبَّس بالصلاة على وجه الكمال ظاهرًا وباطنًا حينئذٍ تنهاه عن الفحشاء والمنكر ولا شك، وتأمره بفعل الطاعات، ولا شك أن أعظم ما تأمره به من الطاعات هو توحيد الله تعالى إفراده بالعبادة، وأعظم ما تنهاه عن المنكر هو الوقوع في ما حرم الله تعالى من الشرك به، فحينئذٍ يكون الحكم خاصًا، والجواب الأول أولى، إذًا على قولٍ آخر نقول النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الحكم هنا على وصفٍ فهو خاصٌ بقوله: «أيس أن يعبده المصلون» . و (أل) في المصلين للكمال، وعليه المصلون هنا هم الذين تنهاهم صلاتهم عن ترك الواجب وأعظمه التوحيد، إفراد الله تعالى بالعبادة، وتناهاه عن الوقوع في المحظور المنكر، وأعظمه الشرك، فالشيطان يأس أن يعبده من قام بالصلاة على حقيقتها ظاهرًا وباطنًا، وأما من لم يكن كذلك ولو كان من المصلين فالحديث لا يشمله، أليس كذلك؟ «أيس أن يعبده المصلون» حينئذٍ نقول: المراد بالصلاة هناك على وجه الكمال.