إذًا من وقع عنده نص ولم تنهه صلاته عن الوقوع في المحظور قد يقع في الشرك الأكبر، لكن الجواب الأول أحسن لأنه قد يُجاب هنا بأن (أل) في المصلين للعموم فتفيد كل مصلٍّ والأصل في العام استواؤه، فالشيطان يأس أن يعبده من قام بالصلاة على حقيقتها ظاهرًا وباطنًا، فهذا الحديث حينئذٍ على هذا المعنى السابق ليس فيه أن عبادة الشيطان لن تقع في هذه الأمة، وإنما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بيأسه من ذلك، وهذا لا يدل على عدم الوقوع، بل يجوز أن يقع على خلاف ما توقعه عدو الله الشيطان، بل الأدلة تدل على ذلك، وهذا الذي عقد المصنف من أجله الباب، بل الأدلة تدل على أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، وهذا ما عناه المصنف بالترجمة (باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) يعني أن عبادة الأوثان واقعةٌ في هذه الأمة لا محال، فهو حكم كونيٌ موافق لإرادة الله تعالى الكونية فسيقع ما شاءه الله تعالى سيقع لا محالة، يعني أن عبادة الأوثان واقعةٌ في هذه الأمة بنصٍ النبي - صلى الله عليه وسلم - كما وقع في الأمم السابقة، فقوله: (باب ما جاء) أي من النصوص في الكتاب والسنة.
قال ابن السعدي رحمه الله تعالى: مقصود هذه الترجمة الحذر من الشرك والخوف منه، وأنه أمرٌ واقعٌ في هذه الأمة لا محالة، لإرادة الله تعالى الكونية، والرد على من زعم أن من قال لا إله إلا اللهُ وتَسَمَّى بالإسلام أنه يبقى على إسلامه ولو فعل ما ينافيه من الاستغاثة بأهل القبور ودعائهم، وسَمَّى ذلك توسلًا لا عبادةً فإن هذا باطل. إذًا كل من قال لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله لا يمكن أن يقع في الشرك نقول: هذا لا يصح، بل الصواب أن لا إله إلا الله لها معنًى، ومن معانيها اجتناب نواقض لا إله إلا الله ودعاء الأموات والتبرك بالقبور والنذر ونحو ذلك يُعتبر من النواقص التي أجمع عليها سلف هذه الأمة.
قال رحمه الله تعالى: فإن الوثن الجامع لكل ما عبد من دون الله، لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية، ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع، وهو العبادة فإنها حق الله وحده، فمن دعا غير الله أو عبده فقد اتخذه وثنًا وخرج بذلك من الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشركٍ وملحدٍ وكافرٍ منافق، والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها كما بيَّنَّا ذلك فيما سبق.
(باب ما جاء أن بعض هذه الأمة) ، (بعض) إذًا لا كلها، لا جميع الأمة، إن الذي يقع في عبادة القبور بعد الأمة لا كلها وهذا الذي عناه بقوله: (بعض) إذًا له مفهوم مخالفة، أن بعض ما يقابل هذا البعض لا يعبد الأوثان، أليس كذلك؟ بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، بعضها الذي يُقابل هذا البعض لا يعبد الأوثان، وهو واضحٌ بيّن. إذًا (أن بعض هذه الأمة) أي لا كلها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن في هذه الأمة طائفةً لا تزال منصورة على الحق إلى قيام الساعة، وسيذكر المصنف الحديث الآتي في هذا الباب.
قوله: (يعبد) ، (أن بعض هذه الأمة يعبد) أي هذا البعض من الأمة، والمراد أمة الإجابة وهي الأمة أمة الإجابة، مَنْ أمة الإجابة أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - نوعان: