قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (( مدارج السالكين ) ): - وقد عقد فصلًا مهمًا لبيان مراتب العبادة - قال: (ومدارها - أي: العبودية خاصة - مدارها على خمس عشرة قاعدة من كَمَّلَهَا كَمَّل مراتب العبودية) يعني من أتى بها كاملة فهو العابد حقًّا لله ما بقي عليه شيء، يعني: بلغ التمام والنهاية والغاية في كونه عبدًا لله لأنه إذا قيل: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه أو طاعة الله، العبد كاسمه عبد له شهوات وعنده تروك ونحو ذلك قد يأتي بالطاعة على وجه التمام وقد لا يأتي، لكن كونه يترك بعض طاعة الله عز وجل فيترك المأمور أو يفعل المحظور هذا على قسمين: وهو ترك العمل الذي مر معنا في (( الأصول الثلاثة ) )منه ما هو كفر، ومنه ما دون ذلك.
فإذا لم يكن كفرًا فحينئذٍ هو في دائرة الإسلام ونقول: هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، لأن ترك الأمر الواجب كبيرة، يعني: إذا أصر على ذلك بالجملة وكذلك فعل المحظور، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، يعني أنت مأمور بماذا؟ بأن يكون القلب عبدًا لله، وبأن يكون اللسان عبدًا لله، وبأن تكون الجوارح كلها عبيدًا لله عز وجل، إذًا محل العبادة الذي تتقرب به إلى الله عز وجل ثلاثة: القلب واللسان والجوارح، والحكم الشرعي المتعلق بفعل المكلّف - لأن هذا داخل في فعل المكلف - خمسة أنواع:
والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حرما
هذه خمسة، كل واحد من هذه الثلاث التي محال للعبادة لها خمسة أحكام، فالقلب من حيث القول والفعل منه ما هو واجب، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، خمسة، خمسة في ثلاث خمسة عشر، واللسان كذلك، والجوارح كذلك، حينئذٍ صارت خمس عشرة قاعدة. قال: بيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب واللسان والجوارح، فالقلب يتعبد وله عبودية خاصة، بل هي الأصل واللسان يتعبد وله عبودية خاصة، والجوارح كذلك تتعبد لله عز وجل ولها عبودية خاصة.
والأحكام التي للعبودية خمسة واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح وهنّ لكل واحد من القلب واللسان والجوارح، هذه صارت خمس عشرة قاعدة، فإذا عرف العبد ما هو واجب القلب؟ فأدّاه، ما هو مستحب القلب؟ فأداه، ما هو محرم القلب ومكروهه فتركه، والمباح على حسبه، وإذا علم واجب اللسان فأداه، ومستحبه فأدَّاه، والمحرم والمكروه فتركهما، والمباح هل اللسان له مباح؟ شيء من القول أو لا؟ هذا محل نزاع، ابن القيم رحمه الله يميل إلى أنه لا مباح فالأحكام أربعة على كلٍّ، والجوارح كذلك لها خمسة أحكام، فإذا فعل الواجب وأتى بالمستحب وترك المحرم وابتعد عن المكروه وهو بين الفعل وترك في المباح حينئذٍ إذا أتي بها على هذه الأمور الخمسة عشرة حينئذٍ أتى بالعبادة على أتم وجه، فإن قصر في شيء منها سواءً كان القلب وقع الحسد نقص، وقع الكبر نقص، وقعت البغضاء في غير محلها نقص. إذًا العبودية ليست كاملة لم يكملها، كذب، اغتاب نمَّ، وقع ترك شيئًا من المستحبات من فعل الجوارح ونحو ذلك لم يذهب إلى المسجد لم يصل الرواتب، نقول: نقص.
إذًا الفعل التام أن يأتي بهذه الأحكام الخمسة لكل موضع من القلب واللسان والجوارح، إن نقص منها انتقص.