فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 2014

وقال القرطبي رحمه الله تعالى: أصل العبادة التذلل والخضوع، وسُمِّيَتْ وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزم ومنها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى.

وهذه العبادات هل تُسَمَّى تكليف أو لا؟

ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: ينبغي أن يُرفع عن وصف العبادات هذا الوصف، فلا يقال: هذه تكليف للعباد. ولكن الظاهر والله أعلم أنه لا بأس أن يقال ذلك؛ لأن التكليف فيه نوع مشقة، والعباد يختلفون منهم من قد يُؤدي العبادات بمشقة وفيه نوع كلفة حينئذٍ وجد فيه الوصف، ومنهم من تَرَقَّى عن تلك المنزلة فأتى بالعبادة جميع العبادات ولو كان فيها نوع مشقة إلا أنه يجد فيها راحة ولذة. فالناس يختلفون فتسميتها وشيء كلف به العباد نقول: من حيث الابتداء لا بأس به ليس بينهما تنافي. لذلك قال الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] يكلف. إذًا مفهومه المخالفة كلّف النفس ما في وسعها {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} هذا نفي، وفيه واثبات، نفي من حيث المنطوق نفى أن يكلف الله عز وجل - التكليف هنا بمعنى المشقة - فلا يشق الرب جل وعلا بالأحكام التكليفية على العباد، مفهومه مفهوم المخالفة أنه يكلف بما في وسعه وطاقته وهذا لا تنافي بينهما.

إذًا نقول: هذه العبادة مدارها على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية. إذًا عرفنا العبادة بالمعنى اللغوي وبالمعنى الشرعي، لكن هل نفسر الآية بهذا؟ على ما ذكرناه سابقًا، من فسَّرها بالمعنى العام لا إشكال فيه، لكن قلنا: إن المصنف رحمه الله تعالى له مسلك في تفسير هذه الآيات خاصة في توحيد العبادة يأتي بلفظ التوحيد ويجعله شرطًا في صحة العبادة، وهذا له دلالته الشرعية ولا إشكال فيه.

العبادة نوعان:

-عبادة كونية.

-وعبادة شرعية.

عبادة كونية هذه منسوبة إلى أمر الله الكوني وقضائه الكوني، عبادة كونية وهي الخضوع لأن التعبد في اللغة عرفنا أنه مطلق الخضوع، ولذلك سبق أنَّ من فَسَّرَ قوله تعالى: ( {إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) بالعبادة بالمعنى اللغوي. قلنا: هذا فيه نظر. لأنها تدخل فيه العبادة الكونية وليس هذا مرادًا، بل الصواب أن المراد بقوله: ( {لِيَعْبُدُونِ} ) إما لآمرهم وأنهاهم بالمعنى العام وهو قول عليّ رضي الله عنه، وإما بالمعنى الخاص الذي أراده المصنف وهو التوحيد، وأما إذا فسره بالمعنى اللغوي نقول: هذا ليس بصواب. ولذلك لما نُحِدّ اللفظ بالمعنى الشرعي له فائدة نفيسة، وهي أن الأصل في حمل الألفاظ ألفاظ الشرع (الكتاب والسنة) على المعاني الشرعية، ولا تحمل على المعاني الاصطلاحية، قد يغلط البعض - لا أقول من طلاب بل حتى من كبار الأئمة فيصرف بعض ألفاظ النصوص نصوص الوحيين بالمعنى الاصطلاحي دون الشرعي، وإلا يقول: لا، «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» . هذا ليس واجبًا بالمعنى الاصطلاحي

فالواجب المحكوم بالثواب ... في فعله والترك بالعقاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت