فهرس الكتاب

الصفحة 1012 من 2014

مناسبة الآية للباب: أنه إذا كان الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، هنا ماذا بَيّن؟ ليس عندنا حكم يتعلق بهذه الأمة، وإنما بَيَّنَ الله لنا تعالى في هذه الآية ( {أَلَمْ تَرَ} ) ألم تنظر ( {إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا} ) حظًّا من الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، والطاغوت لا شك أنه ماذا؟ أن منه ما هو عبادة لغير الله تعالى، فمن الطاغوت الذي آمن به أهل الكتاب هو عبادة الأوثان منه عبادة الأوثان، وجاء النص الآتي ذكره حديث أبي سعيد أن هذه الأمة ستتبع تلك الأمم ( «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو الْقُذّة بالْقُذّة» ) ، ومن ذلك الإيمان بالجبت والطاغوت، هذا محل الشاهد [فالآية وحدها] الآيات الثلاث التي ذكرها المصنف وحدها لا يستقيم الاستدلال به لمعناه من الترجمة، وإنما أراد أن يبين أن من قبلنا قد وقعوا في عبادة الأوثان حينئذٍ بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذه الأمة ستتبع تلك الأمم، ومن ذلك اتخاذ المساجد على القبور [ومن ذلك] وهو وسيلة إلى الشرك، ومن ذلك عبادة الأوثان وهو واضح بين.

إذًا مناسبة الآية للباب مركبة من الآية ومن الحديث الآتي أنه إذا كان الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت فهذه الأمة التي أوتيت القرآن لا يُستنكر ولا يستبعد أن تعبد الجبت والطاغوت، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أخبر أن هذه الأمة ستفعل مثل ما فعلت الأمم قبلها موافقة لهم ولو كان يبغضها ويعرف بطلانها، يعني يبغض اليهود لكنه يُقَلِّدُهُم، يبغض النصارى ويعرف أنهم على بطلان ومع ذلك يتشبه بهم، إذًا كونه يبغضهم لا أثر له في كونه لم يشتبه بهم، ولهذا قال المصنف: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع. هل هو اعتقاد قلب أو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟

النوعان مرادان، يعني: اعتقاد بالقلب، وكذلك موافقة ولو لم يعتقد، فالنوعان داخلان في الآية إيمان القلب واعتقاده وموافقة أصحابها في العمل مع بغضها ومعرفة بطلانها.

ويستفاد من الآية كذلك:

أولًا: أنه سيكون في هذه الأمة من يعبد الأوثان كما حدث لليهود والنصارى.

ثانيًا: أن الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع معناه موافقة أصحابها ولو كان يُبغضها ويعرف بطلانها، فلا نشترط الاعتقاد في هذا المكان لأننا إذا اشتراطنا الاعتقاد معناه أنه لو عبد الأوثان لا يكون مؤمنًا بالجبت.

ثالثًا: أن الكفر بالجبت والطاغوت واجبٌ، بل هو فرض متحتم لازم في جميع الكتب السماوية كما أنه ألزمت به هذه الأمة كذلك الأمم السابقة، لأنه جزء من مدلول لا إله إلا الله {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ} [البقرة: 256] ، وعرفنا فيما سبق أنه ما من نبيٍّ إلا وأُرْسِلَ وبُعِثَ لبيان مقام التوحيد لأمته، وذلك مبني على إثبات الركنين: نفي، وإثبات. كما مرّ معنا، فالكفر بالطاغوت والجبت هذا واجب في جميع الكتب السماوية.

رابعًا: وجوب العمل بالعلم، وأن من لم يعمل بعلمه أشبه اليهود والنصارى لأنه قال: ( {أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ} ) . إذًا عندهم علم، ومع ذلك آمنوا بالجبت والطاغوت، وأن من لم يعمل بعلمه أشبه اليهود والنصارى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت