فهرس الكتاب

الصفحة 1028 من 2014

قال: ( «وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدّ» ) أي إذا حكمتُ حكمًا مبرمًا نافذًا أو معلقًا فإنه لا يردّ، معلق مثل هذا، أنه لا يسلط عليهم إذًا لم يقع في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في أوائل الأمة، لكن قال: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا» . فإن وقع وَقع قضاء الله تعالى، إذًا صار معلقًا، هذا النوع كذلك لا يُرَدُّ كما أن قضاءه المبرم كن فيكون لا يُرَدّ، كذلك قضاؤه المعلق على شيء ما كذلك لا يرد، أي إذا حكمت حكمًا مبرمًا نافذًا أو معلقًا فإنه لا يُرَدُّ، ولا يقدر أحدٌ على رده البتة كما قال - صلى الله عليه وسلم: «لا رادَّ لِمَا قضيتَ» . «لا رادَّ» ، إذًا نكرة في سياق النفي فيَعُمّ، «لما قضيت» أي الذي قضيته، «لما قضيت» للذي قضيته، شمل ماذا؟ المبرم والمعلق، واضح هذا، فقضاء الله تعالى إما أن يكون مبرمًا وإما أن يكون مُعَلَّقًا، مبرمًا يعني حالًا يقع كن فيكون، فيكون المترتب عليه معلق، معلق على وصفٍ، قد يقع في آخر الزمان، حينئذٍ نقول: كذلك قضاؤه ذلك لا يرد «لا رادَّ لما قضيتَ» وفي بعض الروايات قال: «دعوتُ ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يُهلك أمتي بسَنَةٍ عامة وأجابني، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم وأجابني، وسألته الثالثة أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدًا ومنعني هذا» . وقال: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا» . حتى هنا للغاية، يدل على أن ما بعدها مخالف لما قبلها في الحكم، فما قبلها ممنوع وما بعدها هو الذي عُلِّقَ عليه القضاء، وحتى هنا للغاية، يعني إذا فعل بعضهم ببعض هكذا سُلِّط عليهم العدو حينئذٍ، وما داموا مجتمعين على الحق فلا يُسَلّط عليهم، ولكن عند فُرْقَتِهِم يُسَلَّط عليهم عقوبةً لهم.

والمراد بالقضاء في هذا الحديث ( «إني إذا قضيت قضاءً» ) المراد به قضاء الكون قضاء الله تعالى قسمان: كوني، وشرعي. كحكمه نوعان: حكم كوني، وحكم شرعي. كأمره نوعان: أمر كوني، وأمر شرعي. فالمراد هنا بالقضاء القضاء الكوني، فهذا لا يُرد ولا بد أن ينفذ كقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] . {وَقَضَيْنَا} قضاء كونيًّا لأنه قال: {لَتُفْسِدُنَّ} . القضاء الشرعي لا يأمر الله تعالى بالفساد، ولا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين، فلما قضى هنا كونًا لحكمة يعلمها جل وعلا علمناها أم جهلناها، لا قضاء كوني ولا قضاء شرعي إلا لحكمةٍ، كذلك الحكم الشرعي والحكم الكوني لا يقع واحدًا منهما إلا لحكمةٍ علمها من علمها وجهلها من جهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت